فهرس الكتاب

الصفحة 24199 من 27364

* محمد سليم العوا

الحوار كلمة محببة إلى سهلة على الآذان, لأنها, _ في اللغة العربية _ بنت عائلة, تدل معاني كلماتها الأخريات على الرجوع, وعلى جمال العين, وعلى البياض في الثياب, وعلى المناصرة وعلى المجاوبة والتجاوب, ففي المختار من الصحاح: المحاورة: المجاوبة والتحاور والتجارب.

وإذا وجد الإنسان لحديثه مجيباً أو مجاوباً كان ذلك أدنى إلى رضاه لأنه يشعره بإحترام السامعين لما يقول, وعنايتهم به, وإهتمامهم بلفظه أو مضمونه. أما إذا تكلم فلم يكن لكلامه عند السامعين صدىً, فإن ذلك يشعره بالإستنكار لما يقول, أو الإستهانة بقائله. وهما شعوران سلبيان يصيبان بالأسى ويدعوان إلى العزلة, أو يدفعان إلى العنف والثورة. وكل ذلك لا تصيب البشرية به خيراً.

وقد تردد لفظ الحوار في العقود الأخيرة من هذا القرن الميلادي, في محافل شتى, وصفت به أنواع من العلاقات متباينة, لا يستطيع المراقب أن يقول أنها كلها كانت مجاوبة وتجاوباً إيجابيين مما يؤدي إلى النفع العام للمحاورين _ أفراداً وجماعات _ بل كان بعضها كذلك. وكان بعضها الآخر محاولة من القوي لفرض رأيه وثقافته, ونظرته إلى الكون والناس والأشياء,.

ودعت منظمات عديدة"لحوار الثقافات"في الثمانينات من هذا القرن ثم انتهى هذا الحوار إلى أوراق في كتب نشرت عن لقاءاته, لكنها لم تثمر تغييراً ثقافياً حقيقاً ملموساً حتى الآن. وحين ترددت في أرجاء الكون الثقافية والسياسية صيحة الكاتب الأميركي صاموئيل هنتنغتون عن"صراع الحضارات"أو"صدامها"كان البديل, العاقل المحتمل, لها هو الحديث عن حوار الحضارات, والدعوة إليه, والعمل على إنجاحه, لتجنب البشرية ويلات الصراع, وللتحاشي أثار الصدام المؤلمة أو المدمرة.

وحوار الحضارات مطلب إسلامي عبّر عنه كثير من المفكرين الإسلاميين, بل ردوا به على تحليلات صأموئيل هنتنغتون الخطيرة والمخيفة. وكان من أبرز هؤلاء رئيس الجمهورية الإسلامية في إيران السيد محمد خاتمي في مقالاته الشهيرة عن هذا الموضوع.

شروط الحوار الحضاري

لا يحقق حوار الحضارات نجاحه المبتغي, ولا يصل إلى هدفه المنشود ما لم تتوافر له شروط هذا النجاح ومقومات تحقيق هذا الهدف.

أولاً _ الإعتراف بالآخر:

وأول الشروط التي لا يتم الحوار أصلاً دون توافرها هو أن يكون كل من طرفي الحوار أو أطرافه _ معترفاً بالآخر وبالآخرين . فالحوار يقتضي قبولاً مبدئياً _ على الأقل _ بوجود الآخر, وبحقه في هذا الوجود , وبخصوصيته التي لا يجوز لأحد أن يسعى إلى تغيرها, وبمقومات إستمرار بقائه مغايراً ومتميزاً, وبحقه في المحافظة على هذه المقومات وتوريثها في أجياله المتعاقبة جيلاً بعد جيل.

وًليس المقصود بالاعتراف بالآخر مجرد المعرفة بوجوده فنحن نعرف بوجود الجمادات والحيوان والطير والسباع, ونعرف من محكم القرآن إنها أمم أمثالنا: ( وما من دابة في ا لأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلاً أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ) . ولكن لا يخطر في بالنا أن نقيم حواراً مع شيء من هؤلاء, وإنما نتنفع بما ييسر الله لنا الإنتفاع به منها, ونتقي, بما أوتينا من حيلة ووسيلة, باس ما لا ينفع وشره.

وليست كذلك علاقة جماعة بني الإنسان بعضهم ببعض. أو هي ليست كذلك وجهة النظر الإسلامية, إن شئنا أن يكون تعبيرنا أصدق.

فالإسلام يعلّم أبناءه أن الخلق كلهم من أصل واحد ( يا أيها الناس أنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) . وفي آية أخرى ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة, وخلق منها زوجها, وبث منها رجالاً كثيراً ونساءً, واتقوا الذي تتساءلون به والأرحام, إن الله كان عليكم رقيباً) .

والمسلمون لا يكونون كذلك _ أي لا يكونون مسلمين _ إلاّ إذا كان إيمان الواحد منهم وإيمانهم الجماعي, على نحو ما أمرهم الله بقوله: (آمن الرسول بما انزل إليه من بره, والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله, وقالوا سمعنا واطعنا, غفرانك ربنا وإليك المصير ) .

وثناء القرآن الكريم على الرسل أجمعين وعلى الذين لهم أمم تتبعهم منهم, ثناء متصل غير منقطع, يتعبد المسلمون بتلاوته وإمعان النظر في معانيه إلى يوم الدين.

ولا يقف الأمر عند المذكورين في الكتاب, وصحيح السنة, من الأنبياء المرسلين أصحاب الأديان والكتب, بل يقرر القرآن صراحة أن من الرسل من لا نعرفهم ولم يصلنا _ عن طريق الوحي _ شيء من أنبائهم ( ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك, وكلّم الله موسى تكليماً ) . والإيمان بهؤلاء جزء من إيمان المسلمين, شأنه شأن الإيمان بمن عرفناهم وقص القرآن على النبي (ص) قصصهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت