بدر حسن شافعي
أثار اتفاق تقسيم الثروة الذى توصلت إليه كل من الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان في السابع من يناير 2004، العديد من علامات الاستفهام حول مضمونه وانعكاساته على وحدة السودان وعلى مستقبل عملية السلام برمتها.
والحقيقة أن التوصل إلى مثل هذا الاتفاق لم يكن بالأمر الهين نظرا للتباين الشديد في مواقف الجانبين بشأن العديد من القضايا أبرزها:
1-رغبة الجنوب في الاستئثار بكل الموارد الموجودة في الأقاليم الجنوبية دون الشمال بدعوى أن الحكومات الشمالية المتعاقبة كانت تهمل الجنوبيين وتركز على عملية التنمية في الشمال، وهو ما قوبل برفض من جانب الحكومة المركزية التي رأت فيه مكامن رغبة في الانفصال.
2-رغبة الجنوب في أن يكون لهم حصة في ثرواته الشمال وكذلك في الموازنة العامة للدولة والتي وصلت مطالبهم إلى نصف الموازنة العامة.
3-رغبة الجنوب في إيجاد بنك مركزي مستقل للجنوب وكذلك عملة خاصة وهو ما رفضته الحكومة جملة وتفصيلا على اعتبار أن ذلك يكرس النزعة الانفصالية.
4-توزيع العوائد غير البترولية في الجنوب بما في ذلك الضرائب والجمارك والموارد الطبيعية الأخرى.
إلا انه مع رفض الحكومة المركزية، توصل الطرفان إلى صيغة المناصفة بالنسبة للبترول في حين تم السكوت عن الموارد الأخرى، ويرجع موافقة الحركة على ذلك إلى الأهمية التي يحظى بها البترول في الجنوب مقارنة بتلك الموارد التي تتوافر بصورة اكبر خارج النطاق الجنوبي.
وقد تمثلت ملامح الاتفاق في:
1-يتم تقاسم العائدات النفطية من الحقول الجنوبية مناصفة بين الحكومة والحركة وذلك بعد منح نسبة 2% على الأقل للولايات التي يتم استخراج النفط منها.
2-يتم تخصيص نصف العائدات غير النفطية لحكومة الجنوب وذلك تحت إشراف لجنة مشتركة من الجانبين.
3-حق المجتمعات التي تعيش في مناطق إنتاج النفط في إبداء رأيها بشان عقود استخراج النفط من أراضيها.
4-يتم وضع نظام مصرفي ثنائي بحيث يكون النظام إسلاميا في الشمال، ونظام مصرفي عادى في الجنوب.
5-يقوم البنك المركزى بإصدار عملة جديدة ذات تصميم يعكس تنوع الثقافات في السودان، مع احتفاظ الجنوب بالعملات الموجودة فيه لحين إصدار العملة الجديدة.
6-يتم رفع مستوى التنمية في الجنوب إلى مستواها في الشمال.
7-يتم إنشاء صناديق خاصة لتمويل تنمية الجنوب وغيره من المناطق المتضررة من الحرب.
وقد جاء هذا الاتفاق جاء كمحاولة لرأب الصدع في أزمة عدم الثقة التي كانت بين الجانبين طيلة مدة الحرب، خاصة وانه حاول في بنوده التوصل لاتفاق حول كافة القضايا الخلافية بين الجانبين، فعلى الرغم من كونه اتفاقا اقتصاديا إلا أن الاعتبارات السياسية كانت واضحة فيه بدليل انه اقتصر على معالجة القضية الأهم من وجهة نظر الجنوبيين وهى قضية النفط والتي حرص الاتفاق في تناولها على التوصل لحل وسط يرضى الطرفين.
وإن كانت هناك نقطة تثير الجدل في الاتفاق هو حصره للقضية في طرفين أساسيين هما الحكومة والحركة الشعبية باعتبارها المتحدث باسم كل القوى الجنوبية وهذا الأمر غير صحيح وان كان الاتفاق حاول تفادى ذلك بالنص على وجود ثلاثة ممثلين للإقليم المنتج للنفط ضمن لجنة البترول القومية وكذلك النص على نسبة 2% كحد أدنى للولاية بمعنى يمكن زيادتها وان كان المراقبين يرون أن تبدأ النسبة بـ 5% لكي بكون هناك حد أدنى من الرضا من جانب تلك الولايات.
كما أن الاتفاق قد منح صلاحيات واسعة للجنوب في التعامل مع العالم الخارجي سواء من حيث الاقتراض أو حتى الحصول على المعونات الأجنبية الأمر الذى من شأنه تقوية النزعة الانفصالية لدى الجنوبيين مستقبلا وليس العكس كما تظنه الحكومة، هذا بجانب ما يقع على عاتق الحكومة من التزامات تجاه الجنوب من حيث تنمية وإعادة الإعمار بما قد يحملها بأعباء إضافية.
وفي النهاية يمكننا القول بان الحكومة لم تستفد حقيقة من الاتفاق، ولعل موافقتها عليه ترجع إلى الرغبة في إحداث حالة من الثقة مع الجنوبيين، وان كان ذلك قد يؤدي في المقابل إلى إثارة تطلعات الأقاليم الأخرى التي تمر بظروف مشابهة من ناحية، وإمكانية مطالبة الجنوبيين بالانفصال عند نهاية المرحلة الانتقالية من ناحية ثانية.