فهرس الكتاب

الصفحة 1959 من 27364

الفضائيات والإنترنت تخلق هوية جديدة للشباب ...

وسائل الإعلام العربية تكرس القيم الغربية، ومسؤولوها لا يملكون رؤية ثقافية ...

البطالة وفشل الأجهزة الرسمية في استيعاب الشباب ساهمت في اندفاعه وراء التقليد الأعمى للغرب ...

الحل في تفعيل المؤسسات الرسمية، وتقديم الدين باعتباره خط الدفاع الأول ...

هل جاءت الفضائيات لنا لتكون نعمة أم نقمة؟

وماذا فعلت بنا شبكة الإنترنت؟ وماذا فعلنا بها؟

وما هو شكل المستقبل في زمن لم يعد يعرف حدودا بين ثقافة وثقافة وخلق وخلق ، بل ودين ودين؟

أسئلة حائرة كثيرة .. ما تزال تطرح نفسها علينا منذ سنوات دون إجابة، ولكن أعراض المرض ما تزال تصدمنا يمينا ويسارا، نلمحها في وجوه شباب لم نعد نقدر على تصنيفه، أهو منّا أم لا يعرفنا.. يحمل تراثنا أم لم يسمع عنه.

الشارع في أي من مجتمعاتنا الإسلامية أصبح لا يعرف الطريق الوسط، دائما هناك فريقان يمشي كل واحد منهما في ضفة من ضفتي الشارع.. فريق أغلق النوافذ والأبواب، عملاً بحكمة توصي بإغلاق كل باب يأتي منه الريح، وفريق آخر، ترك داره، وقرر أن يبيت في العراء نهبًا لعوامل التعرية التي تنحت دينه وخلقه وتراثه ولغته.. وثيابه.

المشاهد متكررة، ويمكن لأي واحد منا أن يمر بنفس التجربة إذا كلف نفسه عناء النزول إلى الشارع والسير على ضفتي الطريق ليرى شبابنا المنقسم على نفسه في موقفه من كل ما هو حديث ووافد في زمن صارت العولمة فيه مرادفة لكلمة التغريب، والثقافة العالمية لا تعبر إلا عن ثقافة الغرب وقيمه.

في جولتنا التي قمنا بها بين شباب مصريين مررنا بأحد المراكز التجارية بمدينة القاهرة .. سألنا إحدى الفتيات عن سر اختيارها لملابسها الغريبة المظهر، والتي يغلب عليها السواد، وشعرها الحليق بصورة هي أشبه بالرجال، مع مكياج صارخ ليس فيه شيء من الألوان المألوفة، مع حلق كبير وضعته في أنفها، فقالت: ما أفعله حرية شخصية، وهذا الحلق يضيف لي شكلا جديدا ومتميزا ولافتا للآخرين.

هل يضفي عليك شيئا من الأنوثة ؟؟ قالت: لم أفكر في ذلك، ولكنني رأيت هذا الزي في أحد أغاني الفيديو كليب الغربية فقررت تقليده.

اللافت للنظر أن نفس الحلق تقريبا، وأزياء لا تقل غرابة رأيناه في أنف شاب في نفس المركز التجاري، وعندما سألناه قال: إنه يشعر أن شكله أفضل مع هذا الحلق الذي يعتبره علامة على الرجولة !!

شاب آخر رأيناه يغطي شعره بطبقة كثيفة من"الجيل"، ويقول عن ذلك: إنه جرب أكثر من تسريحة حتى استقر على تسريحة بطل فيلم"تيتانيك"ليوناردو دي كابريو، وكان لهذه التسريحة دور كبير في جذب الفتيات إليه.

وفي المقابل فإن شابا آخر أقر لنا بأن ميوله صرفته عن ليوناردو دي كابريو ليقلد بدلا منه لاعب كرة القدم البرازيلي رونالدو الذي يحلق شعر رأسه كله، مؤكدا أن هذه"الصلعة"ساهمت هي الأخرى في جذب الفتيات إليه.

فتاة أخرى تقول: إنها تقاطع الراديو لأنه لا يقدم لها إلا الأغاني المملة، وهي تعشق الضجيج والحركة والموسيقى الصاخبة، وخصوصا موسيقى الجاز الأمريكية، وتقول: إنها تحب الأشياء المجنونة وغير التقليدية.

أما وليد مرسي فلا يحب الأفلام العربية، ولكنه يعشق أفلام"الأكشن"الأمريكية المليئة بالمغامرات فهو يستمتع بها جدا، وخصوصا أفلام جيمس بوند ويريد أن يزور أمريكا أو يعيش فيها.

أحد الشباب قال لنا: إنه يجيد أكثر من لغة أجنبية، وساهم عمله في السياحة بالاحتكاك على وجه الخصوص بالسائحين الألمان، وتعرف عن قرب على ثقافتهم وأعجب بها، ولهذا السبب فطالما أراد السفر إلى ألمانيا والعيش هناك بأية وسيلة، ولكن محاولاته المتكررة للسفر تحت غطاء الدراسة باءت بالفشل بعد أن وقفت الأموال حجرة عثرة في طريقه، وكما يقول هذا الشاب: أصبحت أعيش في غربة حقيقة، فأنا أعشق مجتمعا لا أقدر على العيش فيه ولا أنتمي إليه، وأعيش في مجتمع لا أحبه ولا أقدر على الانتماء إليه.

هذه بالطبع ليست كل أشكال التغريب التي يتعرض لها شبابنا من حيث التقليد الأعمى في الملبس وطريقة الكلام وأنماط التفكير الغريبة والتي وفدت إلينا عبر وسائل الإعلام المختلفة، لكن يبقى منها اقتناع الشباب بوجهات نظر غربية في قضايا متعددة مثل مفاهيم الحرية، ودور الأسرة في التوجيه، والدين وأحكامه، ومفاهيم من نوع السلام مع الكيان الصهيوني فضلا عن معرفته بأعدائه.

ولنعبر الآن إلى الجهة الأخرى من الشارع.. هنا فئة من الشباب أغلقوا كل الأبواب في وجه الاحتكاك بالغرب .. النوايا حسنة والارتباط بالثقافة والتراث قوي، ولكن هل يمكن أن يعيشوا في كهف يحميهم عن عيون العالم، ودون احتكاك به.

في المقابل على النقيض من الطرف الأول هناك شباب يفهمون التدين والالتزام على أنه فقط تقصير الثوب وتطويل اللحية والانعزال عن العالم ومقاطعة كل مفرزات الحضارة الحديثة وتقنياتها لأنها من الغرب ... ولا يرون في الغرب إلا الوجه الشيطاني .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت