فهرس الكتاب

الصفحة 1433 من 27364

(دارفور أنموذجاً)

د. محمد بن عبد الله السلومي

العمل الخيري الإسلامي ينطلق من مبادئ وقيم وأخلاقيات واضحة؛ فهو إغاثة وتربية وتعليم لا تحده حدود جغرافية أو سياسية؛ لأنه عقيدة ودين وعبادة لله بعيداً عن جوانب التسييس والاستغلال، وهو التزام بقوله - تعالى: {إنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا} [الإنسان: 9] .

بل إن قيم العطاء والمعونات الإسلامية تقدم للعدو الأسير وغالباً يكون غير مسلم دون منٍّ أو أذى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8] . وقد انكشفت حقيقة المعونات الغربية وشعارات حقوق الإنسان، وكان آخرها وضوحاً ما حدث على مستوى الحكومات والمنظمات تجاه القضية الفلسطينية حينما أُعلن بشكل مباشر أن أهداف المعونة مقايضات سياسية وتقديم تنازلات وإلا فسيكون التجويع والحصار ومنع المعونة والماعون.

لقد أدرك العالم ـ كل العالم ـ أن المعونة الغربية هي لتحقيق مزيد من انتهاك حقوق الإنسان حينما أوقف عن الشعب الفلسطيني المعونات الأمريكية والأوروبية مع الوعيد الشديد للآخرين بعدم تجاوز هذا الخط الأحمر، وأصبح الشعب الفلسطيني ضحية بريئة من ضحايا خيار الديمقراطية والحرية.

لقد كانت بعض أدوات الاستشراق قديماً تحقق أهداف المستعمر الأوروبي، ومن ذلك على سبيل المثال الشخصية البريطانية المسمى (لورانس العرب) الذي وصل إلى قلب العالم العربي وعمل من خلال بمعلوماته عن نقاط الضعف والقوة وبدراساته وآرائه على الإجهاز على الوحدة الإسلامية بين الأتراك والعرب. وقد جاب العالمَ طولاً وعرضاً مجموعاتٌ أخرى من علماء الآثار والتاريخ والرحالة المستكشفين، ومنهم (مالوان) عالم الآثار الذي حكم ليبيا فيما بعد ذلك، و (شكسبير) الذي قُتل في معركة السبلة، و (عبد الله فِلِبِّي) وغيرهم، وقد تحولت وسائل المستعمر ـ وفق المتغيرات الدولية ـ إلى وسائل جديدة مؤسسية تحقق الأهداف بقوة أكثر وفعالية أكبر وسرعة مضاعفة تحت غطاء مؤسسات العون الإنساني، أو مؤسسات نشر الديمقراطية، أو دعم حقوق المرأة أو التدريب أو التعليم، أو حقوق الإنسان، أو دعم حرية الأديان، أو حق المعونة لفئات دينية أو عرقية بحكم أنها تعاني من التهميش الفئوي أو الطائفي؛ والثورة البرتقالية عام 2005 في أوكرانيا نموذج يؤكد فعالية وآثار وقوة المؤسسات الأمريكية التي ساهمت، أو قامت بتأسيس حزب المعارضة الأوكراني.

وبغض النظر عن الخطأ والصواب في قبول أو رفض المساعدات والتمويل الأجنبي وأهدافه مع الدول المحتاجة، أو الشراكات الأجنبية بين المنظمات الدولية مع الدول الإسلامية الغنية؛ فإن من الحقائق والمسلَّمات أنه يتم استخدام تلك الوسائل من أجل تحقيق أجندات ومشروعات قد تكون سلبية بحق المستفيدين، وقد تختلط فيها السلبيات بالإيجابيات ولكنها أجندات تحددها الجهات المانحة أو دول المبادرة، وكلها تعمل على الأقل لتحقيق هدف (جمع المعلومات) وذلك بعلم أو غير علم من المتلقي أو المستفيد، ومن أقواها أن تكون المنح في مجالات الأبحاث والدراسات أو المنح الطلابية، التي تقوم على جمع البيانات والمعلومات عن الأسرة أو عن المجتمعات أو حتى الدول، ويفسر أحد الباحثين الغربيين أسباب لجوء الدول الرأسمالية لسياسة التمويل الأجنبي وأنه متحقق في جمع المعلومات؛ حيث يقول: «إن الدول العظمى والمنظمات الدولية المانحة للمساعدات أصبحت تعتمد على المنظمات غير الربحية، نتيجة لما تملكه تلك المنظمات من معلومات وإحصائيات مهمة ودقيقة وحديثة عن الأوضاع في الدول التي تعمل فيها، والتي يصعب على الدول والمنظمات المانحة الحصول عليها بطرقها وقنواتها الرسمية والدبلوماسية المباشرة من الدول والمجتمعات المحتاجة والمتلقية للدعم والهبات والقروض للبرامج المختلفة نتيجة لعدم وجودها أصلاً، أو لصعوبة الحصول عليها لعدم تنظيمها بطريقة منظمة، أو لسريتها كما هو في كثير من دول العالم الثالث» (1) . وفي هذا الصدد يقول «محمد حسنين هيكل» : أنا غير راضٍ أساساً عن التمويل الخارجي للأبحاث؛ فالمثل الإنجليزي يقول: (الرجل الذي يدفع للزمَّار هو الذي يقرر النغمة التي يعزفها الزمار) (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت