بقلم: د.يحيى هاشم حسن فرغل
يفترض طه حسين في كتابه"من بعيد"الذي نشر عام 1935 ونشر فيه بحثا تحت عنوان"بين العلم والدين"حتمية الخصومة بين العلم والدين ثم يقرر أن حل هذه الخصومة إنما يكون بإقامة حكومة لادينية
ذلك أنه بعد أن يستعرض أسباب هذه الخصومة في رأيه يتحدث عن السبيل لإزالة هذه الخصومة فيقول ( السبيل هو إقامة حكومة لادينية تعتمد فكرة الوطنية ذلك أن فكرة الوطنية وما يتصل بها من المنافع الاقتصادية والسياسية الخالصة قامت الآن في تكوين الدول وتدبير سياستها مقام فكرة الدين ، أو مقام هذه النظريات الفلسفية الميتافيزيقية التي كانت تقوم عليها ) ثم يقول: ( وإنما تقوم الحكومة الحديثة في أقطار الأرض المتحضرة الآن على أساس سياسي خالص من المنفعة الاقتصادية والمدنية لا أكثر ولا اقل ، وقد فرغ الناس من هذا وأصبحوا لا يفكرون في أن الحكومة تقوم على الدين أو لا تقوم عليه )
وإذن فإن طه حسين ورواده وأتباعه يعرضون علينا العلمانية وما يزالون منذ أكثر من سبعين عاما باعتبارها حلا لقضية العلاقة بين العلم والدين ، ضمن ما تتعرض لحله من أمور أخرى !!
ولن نتعرض في هذا المقال لما فرغنا من بيانه في مقالات أخرى من كذب هذه الدعوى في جوانب مختلفة من حيث توصيفها لعلمانية الغرب ، نشأة ومآلا او صحة قياس الحالة الإسلامية عليها ، أو صلاحيتها للتجذر في بيئة إسلامية ، أو قياس مدى النجاح الذي حققته هذه الدعوة في الغرب أو في الشرق على السواء
ولكنا نعنى هنا بالذات ببطلان دعواها في توصيف العلاقة بين العلم والدين
نذهب إلى أن نقد التيارات الفكرية المعاصرة - ومنها العلمانية - في خصومتها مع الدين تتم ضمن نظرية شاملة: ترى أن هذه التيارات تنطلق جميعا من وجهة نظر معينة في العلاقة بين الدين والعلم ، وتقدم رؤيتها من خلال معتقدات ، … فهي دين بوجه ما .
وترتكز مقاومة هذه التيارات - في ضوء هذه النظرية على تصحيح العلاقة بين الدين والعلم ، وإبراز معتقدية الأسس التي تقوم عليها تلك التيارات ، وضرب القواعد التي تنطلق منها .
ومن هنا تبرز أهمية دراسة العلاقة بين العلم والدين .
ونحن لا نعني هنا بدراسة هذه العلاقة بسرد أدوارها التاريخية التي مرت بها في الحضارات المختلفة ، بقدر ما نعني بدراسة وضعية هذه العلاقات في نظر المفكرين المعاصرين.
وهنا يمكننا أن نصنف هذه الأنظار إلى ثلاثة اتجاهات:
الاتجاه الأول: يري ضرورة"الفصل"بينهما فصلا تاما . بحيث يكون لكل منهما مجاله الخاص ، يقرر بحرية ما يشاء دون تدخل من الطرف الآخر على وجه الإطلاق . فهو فصل في الوسائل والنتائج على السواء .
يقول أميل بوترو في كتابه"العلم والدين":"لقد ظن البعض في نهاية القرن التاسع عشر أن المشكلة بين الدين والعلم حلت بوضعهما في ثنائية حاسمة يصبح فيها كل منهما مطلقا على طريقته ، ومتميزا عن صاحبه تميز الذكاء والعاطفة ، أو تميز العقل والقلب ."
واستنادا إلى هذه الثنائية لاح إمكان وجودهما معا في صدر إنسان واحد ، بحيث يقومان جنبا إلى جنب ، على أن يتفادى كل منهما بحث مبادئ الآخر ووسائله ونتائجه"."
( أ ) ويبدو أن هذا الاتجاه هو ما تحاوله المسيحية المعاصرة ، إذ لا يرى المسيحي المعاصر بأسا في التناقض بين ما يقرره العلم في الجامعة ، وبين ما تقرره المسيحية في الكتاب المقدس .
فالأناجيل - على سبيل المثال - تقرر نسب المسيح على نحوين متناقضين تماما بين ما جاء في إنجيل متى وإنجيل لوقا .
والعهد القديم من الكتاب المقدس - على سبيل المثال أيضا - يقرر ظهور الليل والنهار والصباح في اليوم الأول قبل خلق الشمس والنجوم في اليوم الرابع ، وهذا ما يتعارض مع العلم .
وفيه أن الله خلق النبات في اليوم الثالث قبل أن يخلق الشمس في اليوم الرابع ، وهذا ما يتعارض مع العلم أيضا .
وفيه أن خلق العالم يرجع إلى حوالي ستة آلاف عام لا أكثر وهذا يتعارض مع العلم كذلك .
وفيه أن الطوفان عندما حدث اكتسح المعمورة كلها وأنه حدث في القرن الحادي والعشرين قبل الميلاد وهو عصر ظلت معه وبعده حضارات سابقة في مصر وبابل دون مساس ، وهذا يتعارض مع العلم أيضاً. أنظر"دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة"لموريس بوكاى نشر دار المعارف ص 41 إلى ص 47 ص 53
وهذه معارضات لا تحتمل التملص ، ولا تحتمل التوفيق .
وهنا كان لابد للاتجاه الديني المسيحي من أن يلجأ إلى وضع العلاقة بين العلم والدين في وضعية الفصل بينهما .
يذهب المسيحي إلى الكنيسة ليستمع في هدوء تام إلى تلك الروايات المتعارضة مع العلم ، كما يمارس عملية الاتحاد بجسد المسيح المرفوضة علميا .
ثم يخرج من الكنيسة ليقرر في الجامعة أو في المعمل أو في مركز البحوث العلمية: أمورا تتعارض تماما مع ما استمع إليه هناك .