الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للناس أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين .
أما بعد: فلا تزالُ الدعوات المشبوهة ، والنداءات المسمومة، تنطلقُ من هنا وهناك، تطالب بخروجك ـ أختي المسلمة ـ من حصنك الحصين، وبيتك الأمين، بحججٍ واهية ، وادعاءاتٍ زائفة كقولهم: يجبُ أن تخرج المرأة من بين الجدران الأربع، فإنَّ حبسها في بيتها هدرٌ لكرامتها ، وشلٌ لحركتها ، وتعطيلٌ لطاقاتها ونتاجها العلمي والعملي والفكري .
وهذهِ المقولات وغيرها، راجت على بعضِ نساءِ الأمة، فانجرفنَ خلفها بلا أدنى نظرٍ أو إعمالٍ فكر، في مصداقيةِ هذه النداءات، ومدى صحة تلك الشعارات .
ولا يخفى على المرأةِ المسلمة أنَّ أعداءَ الإسلامِ لا يترددون في أي أمرٍ يُفسدُ على المسلمين دينهم قبل دنياهم .
قال غلادستونه: وهو أحد الصليبيين الحاقدين: ( لن تستقيمَ حالةُ الشرق ما لم يُرفع الحجاب عن وجهِ المرأة، ويُغطى به القرآن ) .
أما الصليبي الآخر زويمر، فقال: ( على النصارى ألا يقنطوا إذ من المحقق أنَّ المسلمين قد نما في قلوبهم الميلُ الشديد إلى علوم الأوربيين، و إلى تحرير نسائهم ) .
أما ثالثةُ الأثافي فهو الصليبي (جان بول رو ) فيقول: ( إنَّ التأثير الغربي الذي يظهرُ في كل المجالات، ويقلبُ المجتمع الإسلامي رأساً على عقب، لا يبدو في جلاءٍ أفضل بما يبدو في تحرير المرأة )
هذه بعض أقوالهم ومخططاتهم في أمرِ المرأة، وهي غيضٌ من فيض، [1] وقليلٌ من كثير
ولذا كتبتُ هذه الرسالة إيضاحاً للحق للتائهات ، وتثبيتاً لقلوبِ المؤمنات ، وإناساً لأفئدةِ الصالحات ، وعلى اللهِ قصدُ السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل .
المبحث الأول: ثمرات بقاء المرأة في بيتها
إنَّ مما لا يخفى على كل ذي لبٍّ أنَّ المرأة هي العمود الفقري للأسرة ، وكما قيل: وراءَ كل عظيمٍ امرأة تربى في حجرها .
إنَّ عمل المرأةِ في بيتها إن ظنهُ البعض صغيراً فهو كبير، تلتقي فيه كثير من التخصصات، ويحتاجُ لما تحتاج له دول ، يحتاجُ للعلم والفكر ، يحتاج الدقة ، يحتاج الإدارة ، يحتاج الاقتصاد ، يحتاج الرقة والإحساس ، يحتاج لسمو المبادئ .
إنَّ المرأة التي تنظرُ لعمل البيت نظرةَ استصغار، لدليلٌ على أنَّها لم تفهمه حق الفهم ، ومن ثَمَّ لن تقوم به ، كذلك الذين يرون أنَّها معطَّلةً في بيتها، إما أنَّهم لا يفهمون هذا العمل ، أو أنَّهم يفهمونه ولكن في قلوبهم مرض .
هل يصحُ أن نقول: إنَّ المرأة إذا تفرغت للعنايةِ بالأسرة تبقى معطلةً ويخسر المجتمع نصف طاقاته ؟
إنَّ العمل في اللغة: هو المهنة والفعل ، يقال: عمل عملاً أي فعل فعلاً عن قصد . وفي الاقتصاد هو مجهودٌ يبذلهُ الإنسان لتحصيل منفعة [2]
وبتأمل عمل المرأة المنزلي، نجدهُ يدخلُ ضمن مفهومِ العمل بمعناهُ اللغوي والاقتصادي ، بل إنَّ الاقتصاديين يعدون صراحةَ العمل المنزلي عملاً منتجاً ، حيثُ يقول د / عبد الرحمن يسري أحمد: ( إنَّ إهمال تقديرِ خدمات وأعمال ربات المنازل عند حساب الناتج القومي، يؤدي إلى كثيرٍ من المغالطات ) [3] ويؤكدُ التقريرُ الصادر من الأممِ المتحدة عن القيمةِ الاقتصادية لعمل المرأة في البيت، فيقول: ( لو أنَّ نساء العالم تلقين أجوراً نطير القيام بالأعمال المنزلية ، لبلغ ذلك نصف الدخل القومي لكل بلد ، ولو قامت الزوجات بالإضراب عن القيام بأعمال المنزل، لعمت الفوضى العالم، سيسيرُ الأطفال في الشوارع ، ويرقدُ الرضع في أسرتهم جياعاً تحت وطأةِ البرد القارس ، وستتراكم جبال من الملابس القذرةِ دون غسيل ، ولن يكون هُناك طعامٌ للأكل، ولا ماء للشرب . ولو حدث هذا الإضراب ، فسيُقدر العالم أجمع القيمة الهائلة لعمل المرأة في البيت ) .
ويمضي التقريرُ فيقول: ( عمل المرأة المنزلي غير منظور لدى الكثيرين ، وإنَّ المرأةَ لا تتلقى أجراً نظيرَ القيام بهذا العمل ، إنَّ هذا العمل حيوي، وعلى جانبٍ عظيم من الأهمية، غير أنَّ هذه الساعات الطويلة من عناءِ المرأة لا يدركهُ الكثيرون، لأنَّه بدون أجر ) .
ثمَّ يقولُ التقرير: ( إنَّ المرأةَ لو تقاضت أجراً لقاءِ القيام بأعمالها المنزلية، لكان أجرها أكثر من 14500دولار في السنة، وإنَّ النساءَ الآن في المجتمعات الصناعية يساهمنَ بأكثر من 25% إلى 40% من منتجات الدخل القومي. بأعمالهن المنزلية ) [4]
ولكي نجعل الأمر أكثر وضوحاً، نتساءلُ عن رأي أصحابِ هذا المصطلح في المربياتِ والخادمات، ممن يعملنَ بأجرٍ في المنازل، هل يشملهنَّ مفهومهم للعمل أم لا ؟
وأحسبهم لا يُجيبون إلاَّ بنعم ، لذا فإننا نقول: إنَّ المرأةَ في بيتها تقومُ بكلِّ هذا وزيادة، فلماذا لا يشملها مفهوم العمل عندهم ؟ [5]
وبقاءُ المرأة في بيتها له ثمراته العظيمة ، فمن تلك الثمرات:
1 -طاعة الله تعالى ورسول صلى الله عليه وسلم