مجلة البيان - (ج 17 / ص 99)
صوّت الشعب الجزائرى يوم 23/2/1989 على دستور جديد للبلاد ، وكان أهم ما في هذا الدستور إسقاط لفظة"الاشتراكية"التي كانت مفروضة فرضاً ، كما كفل الدستور الجديد -في ما كفل - حرية الرأي وحرية المراسلات والاتصالات الخاصة بكل أشكالها ، وكذلك كفل حرمة المساكن وعدم انتهاكها أو تفتيشها إلا بأمر قضائي مكتوب .
ولاشك أن ذلك مما يفرح به المسلمون في كل مكان ، ولكن العبرة ليست في النصوص المكتوبة ؛ وإنما العبرة في التطبيق العملي لهذه النصوص ، فكم من الدساتير من يشيد بالحرية ويعتبرها أساس حق المواطن ، ولكن ذلك لا يعدو أن يكون حبراً على ورق .
ومن أجل انتهاك الحريات ، والتسلط على رقاب الناس لا يعدم المتسلطون وسيلة ينفذون بها ذلك تحت أنواع كثرة من التسويفات والذرائع ، ويضربون بالدساتير وموادها عرض الحائط .
والمشكلة مشكلة أخلاقية في الأساس ، بل مشكلة خراب عقائدي وفراغ مبدئي . وما لم يصلح هذا الخراب ، ويسد هذا الفراغ بعقيدة صالحة فإنه لا الدساتير المكتوبة ولا الإجماع عليها يحل المشكلة .
فمن الذي يضمن أن لا يتحول الفساد الذي كان يقترف في ظل النظام الاشتراكي إلى فساد يمارس في ظل نظام يتجه إلى الرأسمالية ؟ فالفساد هو الفساد مهما تستر ، وبأي لون ظهر ، ومشكلة المفسدين أنهم أينما تميلهم الريح يميلوا ، وبما أن هذه الفترة فترة إفلاس للاشتراكية: الحقيقة والمستوردة المزورة ؛ فإنه من المرجح أن ينقلب هؤلاء الذين كانوا بالأمس يسبحون بها بكرة وعشياً إلى لعانين لها كاشفين لسوءاتها . وإذا أردنا دليلاً على ذلك فما حدث في مصر في عهديها الاشتراكي والانفتاحي يشكل النموذج .
إن المخرج الحقيقي من هذا العناء المتعدد الجوانب الذي تعانيه هذه الشعوب هو أن تستمد حكوماتها شرعيتها من عقيدتها ودينها ، وتقتبس ضمانات العدالة فيها من مبادئها وتراثها ، فإن المنطق الصحيح ، والتجربة العملية أثبتت أن هذه الشعوب لن تحترم شيئاً يأتيها من شرق أو غرب ، ولن تدين بالولاء لأساليب مستوردة يفرضها عليها أذناب الاستعمار وخدم أعداء الإسلام . والولاء الذي نقصد ليس الخضوع الذليل لجبروت التسلط ، فهذا ولاء كاذب غير مضمون العواقب ، ولكن الولاء النابع من القلب الذي ينتج عنه التوافق المنتج ، والتطور المبدع بين الشعب والسلطة .