فهرس الكتاب

الصفحة 3176 من 27364

د. بدران بن الحسن (*)

ظاهرة العولمة:

تعد العولمة أهم ظاهرة تشهدها الحضارة الإنسانية والتاريخ العالمي في وقتنا الحاضر، وهي مصب لمجرى التاريخ الذي طالما سارت به سننه ليصل بنا إلى تقدم بشري في مختلف مجالات الحياة بطريقة أصبح الوجود الإنساني شديد التشابك والارتباط.

كما أن العولمة مسار من عملية أوسع ينخرط من خلالها الشعوب والدول عبر القارات والأقاليم في ترابط وعلاقات أوثق، أفرزت نمطا من العلاقات ومجموعة من القيم، وأظهرت للوجود نوعا من المؤسسات المشتركة لم تكن معهودة من قبل.

ولعل الطابع التكنولوجي والاقتصادي والإعلامي للعولمة زاد من أثرها الثقافي والاجتماعي والسياسي، فصارت الأرض كلها تقوم مبادئ السوق والتبادل التجاري والإعلامي والتكنولوجي، وانتهت بموجبه كثير من مفاهيم الاستقلال والصياغات المحلية لمفردات الحياة، وتشكل وعي بالوجود المشترك، الذي يصنعه البعض ويستهلك مفرزاته البعض الآخر.

تحديات العولمة:

إن العولمة تواجهنا بمجموعة من التحديات في مختلف المستويات، وفي مقالنا هذا نحاول أن نتناول أهم ثلاثة مستويات تواجهنا فيها تحديات كبرى في عصر العولمة، هذه المستويات هي: المستوى المعرفي والمستوى الأخلاقي والمستوى الكوني.

1.تحدي النموذج المعرفي:

إن النسق المعرفي الغربي الذي يؤطر المعرفة ويثريها بمقولاته، والرؤية الغربية لله - عز وجل - والكون وللكون والحياة هي التي تسيطر على توجهات أغلبية شعوب الأرض الآن، وتحاصر ثمرات هذا المنهج وعي الإنسان وفكره وسلوكه ورغباته، حتى تكاد تأسر رؤية الإنسانية للوجود، فأصبحت الحضارة الغربية"قانون العصر"المهيمن (1) .

فالغرب أتلف قداسة الوجود في النفوس والضمائر والثقافة، بسبب منشأ ثقافتها التي أطلقت عليها اسم العلمية، والتي أخضعت كل شيء وكل فكرة إلى مقاييس الكم منذ عهد ديكارت. ذلك أن المادية المتمركزة، والكمية التي أشيع عنها أنها هي العلم وهي المنهج العلمي الصحيح، صارت معيارا لقيا مدى صحة أو علمية أي فكرة أو شيء في هذا الوجود.

فالتطور الهائل الذي عرفته العلوم الطبيعية والتكنولوجية وحتى الإنسانية، قائم على الفكر المادي، والفلسفة المادية التي طغت على الحضارة المعاصرة، سواء في أصولها النظرية أو في تطبيقاتها الاجتماعية والسياسية.

فصار المجال العقائدي وفق النظرة المادية الوضعية من قبيل الشأن الشخصي الذي لا يخضع لمنطق البرهان الاستدلالي العقلي، وبالتالي لا يمكن اعتباره علما، وفي هذا يقول أنجلز:"إن أي عقيدة دينية ليست سوى انعكاسة خرافية في ذهن الإنسان للقوات الخارجية التي تسيطر على حياته اليومية، وفي ذلك الانعكاس تكتسي القوات الأرضية شبح قوات لاهوتية" (2) .

فالمنهج المعرفي الغربي مادي في أساسه، متمركز على المادة، وبالتالي فهي تنكر الغيب وما يتصل به من إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وترفض الحضارة الغربية وفق منهجا العلمي أي مصدر آخر للمعرفة خارج عن نطاق الفحص الحسي المادي، الخاضع للتجربة المخبرية أو المشاهدة.

وبما أنها مادية فإنها تخضع كل شيء لقوانين المادة من تحول وتغير، ولا يوجد هناك ما يسمى ثابت مثل القيم والأخلاق، لأنها ليست أشياء يمكن تقديرها بالكم، فالصدق بما انه لا يمكن وزنه ولا قياسه بالكمية أو بالأرقام فهو - في المفهوم الغربي - شيء مفتعل وغير موجود، ولا ثمرة من ورائه.

والعلوم الإنسانية في طابعها العلماني الحديث وزخم الاكتشافات الخارقة والمكتسبات الهائلة التي أحرزت عليها أدت من حيث أبعادها الأخلاقية والروحية والإنسانية إلى متاهات عقائدية. فسلبت الإنسان من مكوناته الأساسية التي ترتفع بها فطرته البشرية، وتعتدل بها نفسيته، وتتزكى بها عقليته ويتسامى بها ضميره وروحه (3) .

2.تحدي الأزمة الأخلاقية:

من أهم التحديات التي تواجهنا بها العولمة تحدي الفساد الأخلاقي الذي يكتسح العالم بفعل غياب بعد الأخلاق في الحياة المعاصرة، والقيمة الخلقية أرقى من السلوك التجاري الذي يظهر في تصرفات الكثير، وليس الغاية من ذلك نداء الضمير بقدر ما هو بروتوكولات وإتكيت وبالتعبير الغربي (Ethics) ، وهناك فرق بين الخلق الذي هو ألصق بالفطرة ونداء الضمير والتزام التقوى، وبين الإثيكس بالمفهوم الغربي الذي يراعي المظهر الشكلي دون الجوهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت