الدكتور صلاح الصاوي
أولا: معنى توحيد الطاعة والانقياد
وهو إفراد الله تعالى بالطاعة والانقياد ، وذلك بتحكيم شرعه ، والقبول التام لكل ماجاء به نبي صلى الله عليه وسلم ، والكفر بمايتنافي مع ذلك من الأهواء البشرية والمذاهب الوضيعة ، فإن من تفرد بخلق هذا الإنسان تفرد بحق هدايته وتوجيه الخطاب الملزم إليه ، فلا حلال إلا ما أحله ، ولا حرام إلا ما حرمه ، ولا واجب إلا ما أوجبه ، ولا دين إلا ما شرعه .
* قال تعالى: ( إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ( يوسف:40 ) .
فدعا إلى إفراد الله بالحكم ، وبين أن ذلك من إفراده تعالى بالعبادة ، وأن هذا هو الدين القيم الذي لا يعلمه كثير من الناس ، فليس لأحد كائنًا من كان أن يعقب على حكمه ، ولا أن يشرك به في طاعته .
( الشورى: 21 ) فنعى تعالى على الذين لا يتبعون ما شرع الله لنبي صلى الله عليه وسلم من الدين القيم ، بل يتبعون ما شرع شياطينهم وطواغيتهم من تحريم الحلال وتحليل الحرام وغيره مما كانو قد اخترعوه في جاهليتهم من التحليل والتحريم والعبادات الباطلة ، وبين أنه لولا ما تقدم من الإنظار إلى المعاد لعوجلوا بالعقوبة ، وفي الآية إشارة ظاهرة إلى أن التحليل والتحريم بغير سلطان من الله إشراك بالله .
ولقد ظل هذا المعنى بدهيا في حس الأجيال السابقة ، فلم يحفظ التاريخ خلافًا يذكر حول تفرد الله جل وعلى بالحكم ، وانعدام المشروعية عن كل قول أو فعل ترده النصوص الشرعية ، وأن من ترك الشرع المحكم المنزل على محمد ، وتحاكم إلى غيره ولو إلى شريعة منسوخة فإنه يكون قد حاد الله وروسوله وخلع بذلك ربقة الإسلام من عنقه ؛ لأنه يكون بذلك قد جعل لله ندًا في الطاعة والاتباع !
ولكن غاشية الفتن المعاصرة كادت أن تطمس جلاء هذه الحقيقة الناصعة فارتاب فيها المرتابون ، وأصبح الناس فيها فريقين يختصمون ، ومن هنا كان لزامًا علينا أن نتناول هذه القضية بشيء من التفصيل ، آملين في عودة الأمور إلى نصابها ، مبتدئين في ذلك بتحرير محل النزاع .
محل النزاع:
لا خلاف يذكر على أن من التزم الحكم بشرائع الإسلام في الجملة ، فكانت هي مرجعه الدائم الذي يرجع إليه في كل أمر ، ويحتكم إليه في كل قضية ، ثم زلت به القدم في موقف عارض ، فحكم فيه بغير ما أنزل الله ميلا مع الهوى لشهوة أو لقرابة أو غير ذلك فإنه لا يخرج بذلك من الملة إلا بالاستحلال أو الجحود ، وأن فعله ه
ذا يلتحق بسائر الكبائر وإن كان من أعتاها وأغلظها، وإلى هذه الصورة وأشباهها ترجع عبارات السلف: كفر دون كفر - ليس بالكفر الذي تذهبون إليه - كفر لا ينقل من الملة ...إلخ هذه العبارات التي أثرت عن كثير منهم عند تفسير قوله تعالى: ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) ( المائدة: 44 )
وإنما وقع الالتباس مؤخرا في ظاهرة الامتناع عن التزام الحكم بشرائع الإسلام والتحاكم ابتداء في الدماء والأموال والأعراض إلى غير ما أنزل الله ، ورد مرجعية الشريعة في علاقة الدين بالدولة ، وهي الصورة التي وفدت إلى بلاد الإسلام في ركاب المستعمر ، وينظر لها باسم العلمانية والفصل بين الدين والدولة ، وحولها فقط سيكون حديثنا بإذن الله ، وسوف نبدأ بتجلية الفرق بين الصورتين إحكاما للأمر، وزيادة في البيان والإيضاح .
ثانيا: الفرق بين الانحراف العارض عن الحكم بما أنزل الله وبين العلمانية
* أن الحجة القاطعة والحَكَم الأعلى في الصورة الأولى هو الله عز وجل ، فلا حلال إلا ما أحله ، ولا حرام إلا ما حرمه ، ولا دين إلا ما شرعه ، ولا سيادة إلا لكتابه وسنة نبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا ما أشكل على الولاة أمر رجعوا إلى المأثور من أقوال الصحابة والتابعين ، أو إلى الراجح من فقه أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من الفقهاء ، ليتعرفوا على حكم الله فيما عرض لهم ، وأما ما يحدث من خلل فهو انحراف عارض في أمور جزئية ، لا تبدل فيه الشرائع ، ولا تغير فيه القواعد الكلية ، فالأصل في هذه الصورة أن الولاة خاضعون لحكم الله عز وجل فهو دينهم الذي به يدينون ، وقانونهم الذي به يقضون وإليه يحتكمون .
أما الحَكَم الأعلى في الصورة الثانية فهو المصالح البشرية البحتة التي لا تتقيد بدين ، ولا ترجع إلى هدى ولا كتاب منير ، بل محض الهوى ومايوحى الشيطان إلى أوليائه من ضلالات وأباطيل يسمونها نظمًا وتشريعات وقوانين! فإذا ما أشكل على الولاة أمر رجعوا فيه إلى المذكرات التفسيرية لهذه الشرائع والوافدة ، أو إلى الراجح في الفقه الفرنسي أو الألماني أو الإيطالي ليستلهموا من خلاله الحكم في محل النزاع فالولاة في ظل هذه الصورة قد ردوا مرجعية الشريعة في علاقة الدين بالدولة ، وخلعوا ربقة الأحكام الشرعية في كل ما يتصل بشؤون الحياة العامة .