فهرس الكتاب

الصفحة 11676 من 27364

عبد الباري عطوان

فجأة، ودون أي مقدمات، انفتحت أبواب التطبيع على مصراعيها بين الحكومة المصرية والدولة العبرية، بدأت بالإفراج عن الجاسوس عزام عزام، ثم كرت في توقيع اتفاق المناطق الاقتصادية المشتركة، والاتفاق علي تواجد قوات مصرية علي الحدود مع قطاع غزة، واعادة السفير المصري الي تل ابيب، ويعلم الله اين ستنتهي هذه المسيرة، وما هي محطاتها المقبلة.

الحكومة المصرية التي اختار معظم أعضائها السيد جمال مبارك، تحاول تسويق الاتفاق الاقتصادي مع اسرائيل على أنه إنجاز عظيم لمصر، وغزو غير مسبوق للبضائع المصرية للأسواق الاسرائيلية، وخلق فرص عمل لملايين العاطلين.

فقهاء التبرير في الحكومة المصرية احتلوا، وعلى مدى الأيام الثلاثة الماضية، شاشات التلفزة المصرية، واسهبوا بطريقة مبالغ فيها، في وصف فوائد هذا الاتفاق وتزيينها، وكادوا أن يقولوا أنه سيحل كل مشاكل مصر وأزماتها الاقتصادية، ويجعل الذهب ملقى في الشوارع ولا من يلتقطه تعففاً وثراء.

ولكن أبرز ما لفت نظري وأنا أتابع هذا المسلسل وأبطاله، هو ما قالته بروفسورة في الاقتصاد وعضوة في مجلس الشورى، من أن هذا الاتفاق، هو نقلة حضارية، تتمثل في فصل الاقتصاد عن السياسة، أسوة بما يحدث حالياً في الدول المتقدمة.

إن هذه الأستاذة الجامعية التي من المفترض أن يكون قد تخرج على يديها آلاف الاقتصاديين (وهذا ما يفسر تراجع الاقتصاد المصري ربما) ترتكب خطأ علميا فاضحا، وتمارس التضليل في أبشع صوره، وتتعامل مع أبناء مصر وكأنهم تلاميذ في الحضانة، ونسيت أنهم من أذكى شعوب الأرض، وعلى اتصال مع العالم وتطوراته عبر كل وسائل الاتصال المتاحة، وما أكثرها، وليس من بينها على أي حال قنوات الحكومة.

فاتفاق المناطق الاقتصادية هذا ليس فصلاً للاقتصاد عن السياسة، وانما تأكيد على دمجهما، ومن أجل تحقيق أهداف سياسية يأتي التطبيع علي قمتها. وربما يفيد التذكير ببعض النقاط الاساسية في هذا الاطار:

أولاً: أن اتفاق المناطق الصناعية المصري ـ الاسرائيلي هذا يأتي في اطار المشروع الذي أعلن عنه الرئيس الامريكي جورج بوش في مطلع هذا العام لإقامة منطقة تجارة حرة في الشرق الاوسط الكبير بحلول العام 2013 لتحقيق التبادل التجاري بين دول المنطقة، وبينها وبين الولايات المتحدة والدول الصناعية، ويؤدي إلى دمج إسرائيل كعضو أصيل في الكيان الشرق أوسطي الكبير.

ثانياً: يأتي هذا الاتفاق تجسيدا لمشروع شمعون بيريز في إلغاء الجامعة العربية، واستبدالها بالشرق أوسطية، وهو المشروع الذي بدأ الترويج له من خلال القمم الاقتصادية في الدار البيضاء وعمان والقاهرة والدوحة وافشلته الانتفاضة الفلسطينية المباركة التي جاءت ردا على المجازر الاسرائيلية البشرية منها والاستيطانية في حق أبناء الشعب العربي الفلسطيني.

ثالثا: تسخين التطبيع المصري ـ الاسرائيلي، والفصل بين هذا التطبيع، وتحقيق أي تقدم على صعيد العملية السلمية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فالرئيس مبارك كان يربط دائما بين التطبيع الاقتصادي والتقدم السياسي، وطلب من رجال الأعمال المصريين المهرولين إلى تل ابيب أن يتريثوا، وأن لا يوقعوا أي اتفاقات تجارية مع نظرائهم الإسرائيليين كورقة ضغط على الحكومة الاسرائيلية، لدفعها للعودة إلى المفاوضات.

رابعاً: سيوفر هذا الاتفاق، وبعد توقيعه رسميا، الغطاء الشرعي لرجال الأعمال المصريين الذين سيتعاملون مع الدولة العبرية، فهؤلاء سيخرجون من جحورهم، ويخلعون عباءة السرية، وسيتعاملون علنا مع نظرائهم الإسرائيليين.

أنه اتفاق اقتصادي لتحقيق أهداف سياسية على درجة كبيرة من الخطورة، يأتي ترجمة عملية لاتفاقات كامب ديفيد بعد ربع قرن من توقيعها، ودون أن يتحقق السلام، سواء على الجبهة السورية ـ الاسرائيلية، أو على الجبهة الفلسطينية ـ الاسرائيلية!

ويظل السؤال المشروع هو عن أسباب انهيار كل السدود المصرية الرسمية أمام التطبيع الساخن مع اسرائيل دفعة واحدة، وفي مثل هذا التوقيت بالذات.

الإجابة ببساطة تتلخص في كلمة واحدة اسمها التوريث. فالسياسات المصرية والاقتصادية منها على وجه الخصوص، باتت مسخرة لتحقيق هذه المعجزة وتنصيب السيد جمال مبارك خديوي مصر الجديد.

فمن اللافت أن كل الضغوط الأمريكية لتحقيق الإصلاحات السياسية في مصر توقفت تماما بعد إشادة الرئيس مبارك بشارون كصانع سلام لا بد من اغتنام فرصة وجوده الذهبية من قبل الفلسطينيين لإنهاء الصراع العربي ـ الاسرائيلي، وبعد توقيع اتفاق المناطق الصناعية الاقتصادية الأخير، والإفراج عن الجاسوس عزام عزام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت