سأعتمد في بناء هذه الفقرة على بعض الكتب البالغة الأهمية التي لخص فيها شيخنا الشهيد عبد الله عزام رحمه الله خلاصة أسباب وطبيعة الإنقلاب الشامل الذي حصل في أحوال العرب والمسلمين خلال هذه الفترة . وهي كتاب ( خط التحول التاريخي) , وكتاب ( أضواء على القومية العربية ) وكتاب ( السرطان الأحمر ) . حيث تشكل مادة هذه الكتب أساسا في فهم أسباب ما نحن فيه مما نعيشه اليوم , وفهم برامج الحملات الأمريكية الحالية , التي سرعان ما يكتشف المرء بقراءته لهذه الكتب:
أن برنامج الأمريكان اليوم مطلع القرن الحادي والعشرين , حول الشرق الأوسط الكبير , وبرامج تغيير المناهج التعليمية والدينية , وبرامج رامسفيلد) ( لحرب الأفكار) .. ما هي إلا عبارة عن تطبيق مكرر- ولكن بحماقة - لبرنامج الإستعمار الأوربي خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر من قبل .
حيث سأنقل مقاطع واسعة منها باختصار وتصرف طفيف, وأضع تلك النقول بين قوسين [ ..] مشيرا إلى مكانها في المصدر وهو: (موسوعة الذخائر العظام فيما أثر عن عبد الله عزام ) , وأضع تعليقاتي وإضافاتي في ثناياها بين قوسين {..} . وقد كفتني كتبه الثلاثة هذه - رحمه الله رحمة واسعة - عن العودة اللازمة لعشرات المراجع التي تغطي تاريخ وأحداث تلك الفترة , وهو أمر غير متيسر لي الآن ونحن نعيش مرحلة المخابئ والمطاردات الأمريكية - أخزاهم الله - .., وأعيد التنويه إلى أن تراث الشيخ عبد الله يحتوي من الكنوز السياسية والفكرية والشرعية ما يجعله ركنا أساسيا للتربية الفكرية والمنهجية للمجاهدين في هذا الزمان . فجزاه الله ما هو أهله .
قال الشيخ عبد الله عزام رحمه الله:
[ لقد شهدت المنطقة الإسلامية خلال القرون الثلاثة الماضية , تغيرا بدأ بطيئا ثم أخذ يشتد تدرجيا حتى إذا بدأ النصف الأول من القرن العشرين بلغ التغيير قمته , وأصبح سبيل التقليد للغرب عارما . حتى أصبح الناظر لأول وهلة يحسب أن هذا السيل الجارف لا يمكن الوقوف في وجهه , وأن محاولة التصدي له هو ضرب من العبث الضائع أو الانتحار الواضح . وكانت معركة التغيير على ثلاثة أطوار:
الطور الأول: اللقاء بين الغرب والشرق في ميدان القتال.
الطور الثاني: المعركة بين الغرب والشرق في ميدان الفكر و الثقافة والدين.
الطور الثالث: المعركة بين أبناء الشرق أنفسهم في ميادين الفكر والدين و السياسة.
(1) …- أما الطور الأول:
فكان للغرب صولات وجولات إبان الحروب الصليبية , ثم انتهت بهزيمته نهائيا وخروجه مهزوما مدحورا .
(2) …- أما الطور الثاني:
فقد اتبع الغرب أساليب عديدة , واستعمل وسائل كثيرة لإماتة المسلمين موتا بطيئا , وكان هدفه في هذا الطور غسل أدمغة المسلمين من إسلامهم وإخراجهم بهدوء من دين الله إلى دين الطاغوت , دون إثارة ضجة ولا صخب.
وتولت الأجهزة الغربية تربية طبقة بديلة لهم في جميع المجالات , وسلمت مقاليد الأمور لهم , وأبعدت الصادقين عن أجهزة التوجيه والبناء وأصبحت دوائر التعليم والإعلام - الصحافة والراديو ومن ثم التلفزيون - بأيدي الطبقة المنسلخة عن الشرق ( المسلم ) المعلنة لولائها للغرب ( الصليبي الملحد ) .
ويمكن أن تتخلص مهمة هذه الفترة بكلمة جب - المستشرق الإنجليزي:
( هذا - التعليم - هو السبيل الوحيد لفرنجة البلاد الإسلامية وتغريبها , لقد كان التركيز قويا لإنشاء الطبقة التي تأخذ نهائيا بوجهة نظر لا سلطان للدين عليها , وحينئذ يمكن الجلاء عن أرضها وتسليمها زمام السلطة فيها لأنها امتداد لفكر المحتل) .
وكذلك تمثلها كلمة (لورد ميكالي) رئيس اللجنة التعليمية في الهند:
(يجب أن ننشيء جماعة تكون ترجمانا بيننا وبين الملايين من رعيتنا وستكون هذه الجماعة هندية اللون والدم إنجليزية الذوق والرأي واللغة والتفكير) .
وهي نفس كلمة ( اللورد ليد) - المعتمد البريطاني عن كلية فيكتوريا سنة (1936م) :
( ومتى تسنى للجمهور بأن يعرف هذه الكلية يتنبه الآباء أن تعليم أولادهم فيها ينمي فيهم من الشعور الإنجليزي ما يكون كافيا لجعلهم صلة للتفاهم بين الشرقي والغربي) .
(3) …- أما الطور الثالث:
(طور الإستقلال الوطني) كما يحلو لهم أن يسموه , ومجيء الأنظمة المحلية , والعسكرية بالذات , فقد كان هذا الطور أشد الأطوار تأثيرا , وفرضت الحضارة الغربية بالقوة العسكرية التي تسمى بالوطنية والتقدمية والشعبية , وهذه الأنظمة التي جاءت بضجة الزفاف الوطني , والتي قدمت إلى الأمة بأهازيج شعبية حماسية , وتحت هذا الضجيج والصخب قام أبناء الوطن - المستغربين - الحاكمين بنصب المشانق وسحق المبادىء و اجتثاث القيم , و إبادة العلماء والمخلصين.
ولقد لقي الصادقون من أبناء جلدتهم الحاكمين - من العذاب والاضطهاد - أضعاف أضعاف ما رأوه أيام الإنجليز والفرنسيين , ويكفي أن نضرب أمثلة لهذا:
ما لقيه الباتان على يد أمان الله خان في أفغانستان .
ما لقيه الأكراد على يد مصطفى كما أتاتورك في تركيا.