فهرس الكتاب

الصفحة 25727 من 27364

حامد بن عبدالله العلي

من أهم حكم الصوم في شهر رمضان، تحقيق وحدة الأمّة العقدية، وتميزها عن غيرها، وانتصارها الروحي.

فصيام شهر رمضان يميّز الأمّة عن غيرها بشعيرة زمانية، توحد الأمة في كل بقاع الأرض في عبادة واحدة تذكرها بانتماءها الإيماني إلى نظام واحد قائم على الإيمان، وبوحدتها العقدية، كما يميّزها الحج بشعيرة مكانيّة تفصلهم عن غيرهم، فينحازون جميعا بأجسادهم وأرواحهم عن أهل الجاهلية، ليعبدوا الله - تعالى -وحده، يوالي بعضهم بعضا، وليكفروا بما سواه، وليزايلوا الكافرين بربهم، فهم براء منهم.

وفي كلا المناسبتين تجتمع الأمة على عبادة الله - تعالى -، ثم تفرح بعيدها، فهي لا تفرح بعيد إلا بعد عبادة ربها في وحدة روحية عميقة الأثر فيها، فرحا بأعظم نعم الله - تعالى -عليها، في إشارة إلى أن الأمة إن تركت الدين ناظما أوحدا يجمعها ويميزها عن غيرها، فلن تفرح بعزة قط، كما هو حالها اليوم، نسأل الله أن يردها إلى دينها ردا جميلا.

ولهذا ـ والله أعلم ـ قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لاتزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر"لأنهم إن عجلوه أفطروا جميعا في لحظة واحدة، فتجمعهم وحدة روحية في كل صعق من الأصقاع، على أمر دينهم.

أما تحقيق الإنتصار الروحي، فهو قطب رحى الإسلام، ولهذا كانت أهم أسباب انتصارات المسلمين في رمضان مثل انتصار معركة بدر، وفتح مكة، وعين جالوت،..إلخ، أن روح الأمّة تكون في هذا الشهر أقرب إلى الله - تعالى -، وأرواح الشياطين مع عدوها الطاغوت الأكبر الشيطان الذي تقاتل الأمة أولياءه مسلسلة.

ولهذا لخص الله - تعالى - حقيقة الجهاد بأنه (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت، فاقتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا) ، وإنما يكون ضعيفا، في مقابلة من يقاتل في سبيل الله، لأن من يقاتل في سبيل الله منتصر قبل المعركة.

ومعلوم أن معركة الإسلام مع أعداءه تدور بين الأرواح أولا، وإنما الأجساد آلات الحرب، ولهذا لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم سبب انهزام الأمة في زمان تداعي الأمم على أمتنا قال (ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن. فقال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت) رواه أبو داود من حديث ثوبان - رضي الله عنه -.

وقد قال - تعالى - (ولاتهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) ، وفي ذلك دلالة واضحة على أن الوهن، والإستعداد الروحي للهزيمة، هو الخسران الحقيقي.

كما بيّن الحديث السابق أن الروح حين تكون مهزومة، قد أصابها الوهن، بسبب تعلقها بالدنيا، لن تنتصر حتى لو كانت الأجساد كثيرة العدد، وكثيرة جدا، فهي غثاء لا معنى له.

ولهذا لما كانت روح الأمة عزيزة بإيمانها، كانت تنتصر دائما بعدد أقل من عدوها، لأنها كانت منتصرة أصلا قبل خوض المعركة، ولهذا فحتى لو سقط الجسد صريعا في هذه المعركة فإن سقوطه ليس سوى إعلان الانتصار، حتى نهانا الله - تعالى -أن نصف الشهيد بالميت، (ولاتقولوا لمن يقتل في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) لان روح الشهيد قد حققت الإنتصار الأعظم، فارتقت من سفول الدنيا إلى أعلى مقام، فهي في قناديل معلقة بالعرش، وأي انتصار أعظم من هذا الانتصار لو كانوا يعلمون.

ولهذا أيضا فإن الروح إن حققت الإنتصار الأعظم على الشيطان والتعلق بالدنيا، فهي منتصرة على الطاغوت، وإن تلفت الأجساد في هذه المعركة، فهي ليست سوى آلات تحقق بها النصر، كما في قصة أصحاب الأخدود، فإنهم كانوا (يتعادون ويتدافعون في النار) كما في صحيح مسلم من حديث جابر - رضي الله عنه -، متلفين أجسادهم في انتصارهم الروحي الأعظم على الطاغوت.

ولما كان الصوم تدور معانيه على التخلص من شهوات الدنيا، كما في الحديث (يدع طعامه وشرابه وشهوته من اجلي) ، حتى إن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، مما يعكس قوة الصلة بين الصائم وربه، فيجعل العبد في اتصال وثيق متفاعل بين جسده على الأرض، وبين ربه في علوه على العرش، ليحقق بذلك سر التقوى.

لما كان الأمر كذلك، كانت أعظم حكمة الصوم هو تحقيق انتصار الروح، في معركتها الكبرى مع الشيطان، وهي أول وأهم خطوة في الإنتصار، في معركة الإسلام مع أعداءه.

ولهذا فإن أهم ما يجب أن يهتم به العلماء، والخطباء، والوعاظ، في هذا الشهر العظيم ـ وهو أهم من بيان مبطلات الصوم، وآداب الفطور، والسحور.. إلخ وكل ذلك مهم أيضا ـ أمران: ـ

أحدهما: التذكير بمعاني ومفاهيم وحدة الأمة، وتميّزها بولاءها لبعضها، عن غيرها من الأمم، ووجوب إلغاء كل السدود والحدود التي وضعها عدوها ليفرقها، وربط المسلمين جميعا، بمعاناة الأمة، فبلادها محتلة في فلسطين، و أفغانستان، والعراق، ومهيمن عليها في كل بلاد الإسلام الأخرى، ممزقة، مُتَحكّم بإقتصادها، مسلوبة الإرادة السياسية.

وأن أهم رسالة صوم رمضان، وجوب السعي في جهاد متواصل لتغيير هذا الواقع الأليم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت