فهرس الكتاب

الصفحة 3574 من 27364

مزن مرشد

يتعرض الطفل العربي لتيارات وقيم ثقافية متباينة، وأساليب متنوعة في التفكير عبر القنوات الفضائية العربية وغير العربية وعبر الحاسبات الآلية،وتتباين قيمه الاجتماعية والبنيوية لمعيشته مع قيم العولمة الحديثة المنقولة إليه عبر الكثير من الوسائل والتي بات من الصعب السيطرة عليها. في الوقت الذي تنحسر فيه أدوار كل من الأسرة والمدرسة في التنشئة الثقافية.

وإذا كان هذا يعرض الأطفال لأنماط ثقافية متباينة وأحياناً متعارضة مما يعرض مستقبل الثقافة العربية لمخاطر ذات صلة بجوهرها الروحي واللغوي، نتيجة لما يعيشه الأطفال العرب من مواقف صراع تزداد تأججاً بين وسائل مبهرة تستخدم في بث ثقافات مغايرة متنوعة المضامين والغايات وبين أساليب تقليدية غير قادرة على الصمود أو حتى جذب الطفل إليها. يحدث هذا في غياب خطة عمل ممكنة التنفيذ،بحيث نستطيع معها الاستفادة مما تقدمه وسائل الإعلام والاتصال من ايجابيات لأطفالنا مع ثقتنا بأن هذه الخطط البديلة مهيأة لجعل الطفل العربي قادراً على لاختيار الواعي لما يريده من هذا الكم من المعلومات بالتحديد،مستفيداً مما يتلقاه، محافظاً على هويته الحضارية ومقوماتها، ولعل من التساؤلات الحاملة لإشكاليات بحاجة إلى عمل علمي مخطط: كيف يتعلم الطفل لغة أجنبية تزداد الحاجة إليها في التواصل مع المعرفة والتقنية المعولمة، دون أن يخل هذا بتعلمه اللغة العربية التي هي أحد أهم مقومات ذاتيته الحضارية ؟

كيف يمكن أن نتيح للطفل التعامل مع الحواسب الآلية ووسائل الإعلام، خاصة التلفزة، دون أن ينعزل عن سياق التفاعلات اليومية مع أعضاء الأسرة بكل ما تحفل به تلك التفاعلات من مواقف للتعلم والتنشئة على القيم الأصيلة لحضارته، خاصة عمقها وجوهرها الروحي ؟

ومن هنا نلتمس الحاجة إلى وجود برامج مدروسة تهيئ لنا فتح المجال واسعاً أمام أطفالنا للانفتاح على هذا القادم وبعنف والاستفادة من إيجابياته ولغته وتقنياته وفي نفس الوقت حفاظه على كل ما هو أصيل في هويته العربية والمطلوب برامج موجهة ليس للطفل داخل الوطن العربي فحسب بل لكل طفل عربي حول العالم في أي مجتمع كان.

-تغيرات بنيوية:

طرأت على أدوار الدولة تغيرات أثرت سلبا في دعمها للخدمات المختلفة وفرص التشغيل وفى الوقت نفسه لا يزال المجتمع المدني العربي يعانى من مشكلات ومعوقات إدارية وقانونية ورقابية ومالية. ولهذا كان ولا يزال الرهان على الأسرة العربية لتنمية خصائص الطفل والارتقاء بفرصه. غير أن الواقع المتغير للأسرة يؤشر إلى ضعف إمكاناتها وقدراتها على القيام بما هو معقود عليها من أدوار ومهام. فهي تتجه إلى الحجم الأصغر وتعاني في شرائحها المتوسطة والمنخفضة من مشكلات متعددة، في الدخل والسكن والقدرة على الوفاء بمتطلبات العلاج والتعليم نتيجة لخصخصة قسم لا يستهان به من هذه الخدمات فضلاً، عن بزوغ اتجاهات لتغير قيمها من الجماعية إلى الفردية، ومن الروحية إلى المادية، مما يجعل مسألة الأسرة العربية أحد المسائل التي بحاجة إلى عمل دؤوب وجاد لاستعادة أدوارها في التعلم الذاتي والتنشئة الحضارية، خاصة وأن مؤسسات أخرى دخلت معها في تنافسية غير مخططة لجذب الطفل والتأثير فيه، خاصة وسائل الإعلام التي يأتي في مقدمتها التليفزيون بإبهاره وجذبه للطفل منذ بروز قدراته الإدراكية المبكرة.

إضافة إلى هذا التأثير الخطير لعولمة الثقافة يبقى المفرز الأكثر أهمية من مفرزات العولمة وهو الفقر وتأثيره القوي على سير حياة وتطور الأطفال روحيا وفكريا وثقافيا فبالرغم عدم وجود بحوث ومسوح دقيقة حول تأثيرات الفقر على فرص إعداد الطفل العربي، إلا أنه يمكن في ضوء قراءة متأنية للبيانات المتاحة التوصل إلى بعض الاستنتاجات الحافلة بالدلالة من منظور مستقبل الطفل العربي ويهم في هذا السياق الإشارة إلى أن اقل تقديرات لأعداد الفقراء العرب وصلت إلى وجود فرد من كل خمسة أفراد يعاني من الفقر بمعيار الدخل.أما إذا اعتمدنا على مفاهيم فقر القدرات capability pove r ty والحرمان البشري فأن النسبة ترتفع إلى ما هو أكثر من خمس السكان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت