فهرس الكتاب

الصفحة 7635 من 27364

د.محمد مورو (*)

إذا كان الصراع على البترول قد شكل مساحة كبيرة من معادلات وأحداث المنطقة منذ عقود كثيرة وحتى الآن، فإن الصراع على المياه يمكن أن يكون أشد حدة؛ ذلك أن المياه في التحليل النهائي أهم من البترول وأغلى؛ فهو سر الحياة {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30] .

ولا شك أن الإدراك المبكر لأهمية المياه، ومعرفة طبيعة الصراع القادم حولها سيؤثر على أمتنا إذا ما أحسنوا الاستعداد بكثير من الجهد والتضحيات، ويؤمّن لهم مستقبلاً معقولاً، أما إذا ظل العرب في حالة غفلة عن هذه التقنية الخطيرة فإن مجرد وجودهم على سطح الأرض سيصبح أمراً صعباً!

ومن المهم هنا أن نقرر حقيقة بدهية، أن هناك علاقة مباشرة بين الأمن العربي بعامة ومسألة تأمين مصادر المياه. وإذا كان الأمن العام لدولة ما هو الإجراءات التي تتخذها تلك الدولة لتحافظ على كيانها ومصالحها في الحاضر والمستقبل، فإن فهم الأمن على أنه موضوع الدفاع العسكري داخلياً وخارجياً هو أمر سطحي وضيق؛ لأن الأمن العسكري هو وجه سطحي ضيق لمسألة الأمن الكبرى كما يقول روبرت مكنمارا وزير الدفاع الأمريكي الأسبق؛ فهناك الكثير من الجوانب غير العسكرية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمسألة الأمن القومي، ومن هذه الجوانب بالطبع مسألة الأمن الغذائي والاقتصادي ومسألة المياه على رأس تلك الجوانب.

وإذا أخذنا مسألة الأمن الغذائي كمحدد لفهم مستقبل العالم العربي لوجدنا أن الأمر مفزع؛ ذلك أنه إذا كان من يمتلك غذاءه يمتلك قراراً؛ فإن وجود فجوة غذائية في العالم العربي تصل إلى حوالي 30 مليار دولار سنوياً هي الفرق بين الصادرات والواردات العربية مما يمثل مشكلة خطيرة، بل ونسبة الاكتفاء الذاتي من أهم السلع الاستراتيجية في مجال الغذاء لا تزيد عن 39%، وهذه النسبة لها أهميتها؛ ونراها في حالة الدول ذات الأهمية في المنطقة العربية مثل مصر التي يبلغ اكتفاؤها الذاتي من القمح 27%.

وإذا أخذنا في الاعتبار أن السوق العالمية للقمح تتشكل من دول ذات توجهات سياسية ومتعارضة معنا، لأدركنا فداحة المشكلة؛ فالدول الكبرى المسيطرة على سوق تصدير القمح هي «أمريكا، كندا، أستراليا، السوق الأوروبية المشتركة» ؛ حيث يمكنها التكتل في احتكار للتحكم ليس في تصدير القمح فقط بل وفي أسعاره كذلك.

وهكذا فإن المسألة الغذائية تفجر بالضرورة مسألة الماء؛ حيث إن الماء هو العنصر الأساس للزراعة القادرة بدورها على سد تلك الفجوة الغذائية. وبالطبع لا تقتصر أهمية الماء على مسألة الزراعة؛ فالماء ضروري للتصنيع أيضاً، فضلاً عن أهميته لتلبية الاستهلاكات البشرية المباشرة من مياه شرب وغسيل وغيرها، وليس عبثاً بالطبع أن تكون معظم الحضارات قد نشأت حول مصادر المياه.

ومشكلة المياه في الوطن العربي ذات أبعاد كثيرة؛ فالوطن العربي يقع في الحزام الجاف وشبه الجاف من العالم، وتقل فيه الموارد المائية المتجددة عن 1% من المياه المتجددة في العالم، ونصيب الفرد العربي من المياه 1744 متراً مكعباً سنوياً، في حين أن المعدل العالمي يصل إلى 12900 متر مكعب سنوياً، ومعدل هطول الأمطار في الوطن العربي بين 5 ـ 450 ملم سنوياً، في حين يتراوح في أوروبا مثلاً بين 200 ـ 3000 ملم سنوياً. وتمثل الصحارى في الوطن العربي مساحة 43% من إجمالي المساحة الكلية للوطن العربي، وفي عام 2000م حيث بلغ عدد سكان الوطن العربي 300 مليون نسمة فإن عجز الموارد المائية العربية يصل إلى 127 مليار متر مكعب؛ وذلك لأن حجم الموارد المائية المتاحة حالياً تبلغ 338 مليار متر مكعب سنوياً لا يستثمر منها إلا 173 مليار متر مكعب! في حين أن الوطن العربي يحتاج لتلبية احتياجاته من المياه ـ إذا أحسن استخدامها، وتم عمل خطط لسد الفجوة الغدائية ـ إلى حوالي 500 مليار متر مكعب من المياه سنوياً.

والموارد ومصادر المياه في الوطن العربي تتمثل في الأمطار والمياه السطحية «الأنهار» والمياه الجوفية، ولعل المشكلة حول المياه السطحية «الأنهار» هي الأهم؛ فالمياه السطحية المتاحة حالياً للوطن العربي تبلغ 127. 5 مليار متر مكعب سنوياً، تحوز ثلاثة أقطار عربية حوالي 71 % منها، هي مصر والعراق والسودان، ومن المفروض أن يزيد حجم الموارد السطحية ليصل إلى 256 مليار متر مكعب من المياه؛ أي ضعف ما هو متاح حالياً عن طريق مشروعات الري والسدود مثل قناة جونجلي في السودان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت