فهرس الكتاب

الصفحة 8073 من 27364

تاريخ النشر: 07-16-2005 >

لا تقتلن امرأة ولا صبياً ولا كبيراً هرماً ولا راهباً في صومعته ولا تقطعن شجرة ولا تحرقنّ بيتاً، هذه هي المعاني التي تمثل القواعد العامة للتعاطي مع ما يطلق عليهم اليوم اصطلاحاً"المدنيين"، وهي تمثل مجموعةً من الأحكام الشرعية التي تركها النبي الكريم لإرشاد المسلمين في كيفية تعاطيهم في حروبهم مع أعدائهم في ميادين القتال وساحات المعارك، ما يجعل استهداف"المدنيين"أشد حظراً خارج دائرة الحرب.

جعلت ذلك مدخلاً للحديث في الموضوع بغية وضع الأمور في نصابها، ولحسم قضية عدم جواز استهداف المدنيين لا في الحرب ولا في السلم. أما بالنسبة للحدث بحد ذاته فإن هناك مجموعة من المعطيات لا بد من التوقف عندها لبلورة قراءة متعمقة للحدث.

فالتفجيرات التي تستهدف المراكز المدنية في بريطانيا عموماً منبعها الجيش الجمهوري الأيرلندي بالعادة، وليس للمسلمين سابقة واحدة فيها، وأما ردة فعل المسلمين كمتهمين بشكلٍ تلقائي عند وقوعها هذه المرة، إنما هو نتيجة لذلك النجاح الذي حققته حكومات الغرب من خلال أجهزتها المختلفة ووسائل إعلامها المحترفة بالتلبيس على الرأي العام العالمي في القضايا الدولية، وبجعل المسلمين المشتبه الأول الجاهز للبس التهم. ما صنع عقدة المرادفة، بأن المسلم هو مذنب إلى أن يثبت العكس!

وهناك حالة من الانصياع لهذا المفهوم حتى عند المسلمين، الأمر الذي يدلل على مدى الهزيمة النفسية التي يحيونها للأسف الشديد. وهو ما يفسر تعاطي المسلمين مع كل حدث يقع في هذا الكون بعقدة ذنب مستديمة، وعليهم ذرف الدموع وكيل الاعتذار والشجب والاستنكار، والويل لمن لا يفعل ذلك منهم!؟

فمع المسلمين لا داعي للتحقيق والبحث عن الأدلة لإثبات أنهم مذنبون، ويكفي أن يقوم بلير بالإشارة إلى ذلك ضمناً كما جاء في خطابه فور سماعه بالحادث، مع أنه لم يتم بعد إسعاف الجرحى في حينها.

وبذلك أجج بلير الرأي العام على المسلمين، بإلقائه التهمة الجاهزة جزافاً عليهم، مع عدم نسيانه طبعاً إظهار"انسانيته"بأنه ليس كل المسلمين مجرمين! - يا سلام - ، وذلك بدلاً من أن يدعو إلى تهدئة الأمور بانتظار التحقيقات والتحذير من خطورة إطلاق أحكامٍ متسرعة، حتى تهدأ النفوس وتظهر الحقائق، فكان كمن يصب الزيت على النار، ما قد يفسر بأن هناك أجندة ما معدة سلفاً، يراد تجيير الحدث لتحقيقها، فبلير ليس بالرجل الساذج ليقع في مثل تلك الخطيئة، ما يلمح إلى أن وراء الأكمة ما وراءها!

وأما ما ادعاه توني بلير بأن من يقف وراء تلك التفجيرات إنما يريد أن يغير قيم المجتمع البريطاني، فإنه محض تغذية للحالة العدوانية اتجاه المسلمين، إذ أن من المعلوم أن أعمال العنف لا تغير قيما بل ترسخها بالعادة، وكل ما تحدثه مجرد خوف وقلق، فالقتل والتفجير يستعملان للترويع، وهما ليسا برسالة فكرية لإحلال قيم مكان أخرى، وكأنما أراد بلير من وراء ذلك ايجاد مزيد من الضغوط النفسية على المسلمين إضافة إلى تجييش الرأي العام البريطاني خلفه، بغية قطع الطريق أمام هجوم متوقع على سياساته والحط من قدره، ما يخشى معه من تأليب الرأي العام عليه وعلى حكومته، خاصة أنه كان قد قاد حرباً في العراق لا تتمتع بأدنى شعبية، وهو حليف استراتيجي للإدارة الأميركية الأكثر بغضا في العالم.

كما أن بلير يعي تماماً أنه مع شركائه في المعسكر الغربي، هم من يريدون تغيير قيم المسلمين ومفاهيمهم عن الحياة وينادون بذلك صراحةً، بل ويلزمون الأمة الإسلامية بتغيير أفكارها ومناهجها وطريقة عيشها ويعتبرون ذلك شرطا لِتُقبل في ملتهم، سواء في العالم الإسلامي من خلال تطبيق منظومة دمقرطة الشرق الأوسط الكبير على الطريقة الأميركية، أو في بلاد الغرب من خلال عملية دمج المسلمين ضمن قيم ومفاهيم ووجهة نظر الغربيين الخاصة بهم عن الحياة.

وأما بالنسبة لتشديد الحملة على الإرهاب كما جاء في خطاب بلير، فإنها باتت نكتة سمجة، وسيمفونية مملولة بعد أن استُعمِلت"عمال على بطال"، وقد تم استهلاكها إلى آخر رمق في السنوات التي تلت أحداث 11 سبتمبر، بخاصة أن تلك الحملة قد حولت أفغانستان إلى أكبر منتج للسموميات المخدرة في العالم، بعد أن قضت عليها حكومة طالبان إلى حدٍ بعيد باعتراف من هيئة الأمم المتحدة، بل وأعادت أمراء الحرب ليسوموا أرض الأفغان سوء العذاب، كما حولت أرض العراق إلى بحيرة من الدماء، وقسمت البلد فعليا، وأججت فيه حرباً طائفية تؤذن بشّرٍ لا يطاق، كان العراق تحديداً أبعد ما يكون عنها. كما لم تحقق تلك السياسات العنجهية من قبل بوش وبلير الأمن في العالم، بل بات القلق والاضطراب هو سيد الموقف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت