فضيلة الشيخ ابن باز ـ حفظه الله ـ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، نحمد الله إليكم الذي أنزل الكتاب آيات بينات ، ورفع الذين أوتوا العلم درجات ، وأخذ عليهم ميثاقًا بالصدع بالحق وبيانه وحذرهم من المداهنة فيه وكتمانه . والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد القائل (( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ) ) [حديث صحيح رواه أحمد وغيره]
وبعد ..
فإن من المعلوم لديكم ما حبا الله به أهل العلم من منزلة عظيمة ، وأعطاهم من مكانة كريمة ، ولا غرو في ذلك ، فالعلماء هم ورثة الأنبياء ، ورثوا عنهم هذا الدين ، ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، وتمييع الظالمين المسرفين ، ويمثلون القدوة الحسنة والأسوة المثلى للأمة في النهوض بأعباء الانتصار للحق وإيثاره على ما عند الخلق .
وقد قام العلماء الصادقون من سلف الأمة وخلفها خير قيام بهذه المهمات ، وما وقوف سعيد بن جبير في وجه طغيان الحجاج صادعًا بالحق ، وتحدي الإمام أحمد بن حنبل لجبروت الحكم والسلطان وصبره في فتنة الخلق بالقرآن ، وتحمل ابن تيمية وحسن بلائه في السجن انتصارًا للسنة ، إلا نماذج من القيام بواجب النصرة للحق وأهله ، قام بها هؤلاء الأئمة الأعلام انتصارًأ للحق و غيرة على الدين ، رحمهم الله جميعًا .
فضيلة الشيخ؛ لقد أردنا من ذكر ما سبق تذكيركم بواجبكم تجاه الدين ، وتجاه الأمة وتنبيهكم إلى مسئوليتكم العظيمة ، فإن الذكرى تنفع المؤمنين .. أردنا تذكيركم في هذا الوقت الذي انتفش فيه الباطل ، وعربد المبطلون المضلون ، ووئد الحق ، وسجن الدعاة ، وأسكت المصلحون ، والأغرب أن ذلك لم يتم بعد بعلم منكم وسكوت فقط ، بل مُرر على ظهر فتاواكم ومواقفكم ، ونحن سنذكركم ـ فضيلة الشيخ ـ ببعض هذه الفتاوى والمواقف التي قد لا تلقون لها بالاً ، مع أنها قد تهوي بها الأمة سبعين خريفًا في الضلال ، كي تدركوا معنا ولو جانبًا من خطورة هذا الأمر والآثار السيئة المترتبة عليه .
وإليكم بعض الأمثلة:
1 ـ إن مما لا يخفى على أحد المدى الذي وصل إليه انتشار الفساد العارم والذي شمل كافة نواحي الحياة حيث فشت منكرات المختلفة التي لم تعد تخفى على أحد ، كما فصلت مذكرة النصيحة التي تقدم بها نخبة من العلماء ودعاة الإصلاح ، وكان من أخطر ما بينوا هو الشرك بالله المتمثل في التشريع وسن القوانين الوضعية التي تستبيح المحرمات والتي من أشنعها التعامل بالربا المتفشي ففي البلاد ، وذلك من خلال مؤسسات الدولة وبنوكها الربوية التي تزاحم أبراجها مآذن الحرمين ، وتعج بها البلاد طولها وعرضها.
ومما هو معلوم بالضرورة أن الأنظمة والقوانين الربوية التي تتعامل بها هذه البنوك والمؤسسات مشرعة من قبل النظام الحاكم ومصدق عليها منه ، ومع ذلك لم نسمع منكم إلا أن تعاطي الربا حرام لا يجوز ، غير مكترثين بما في كلامكم هذا من التلبيس على الناس ، بعدم التفريق بين حكم من يتعاطى الربا فقط ، وحكم من يشرع الربا ويقننه … مع أن الفرق بينهما واضح كبير ، فمتعاطي الربا مرتكب لموبقة من أكبر الموبقات ، أما مشرع الربا فهو مرتد كافر كفرًا مخرجًا من الملة بعمله هذا ، لأنه جعل من نفسه ندًا لله وشريكًا له في التحليل والتحريم - وهذا ما فصلناه في بحث مستقل سينشر قريبًا إن شاء الله -
ومع أن متعاطي الربا غير المنتهي عنه قد أعلن الله ورسوله عليه الحرب { فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله } فما زلنا نسمع منكم عبارات الثناء والإطراء لهذا النظام الذي لم يكتف بالإدمان على تعاطي الربا فقط ، بل شرعه وقننه وأباحه ، وقد قا صلى الله عليه وسلم: (( الربا ثلاثة وسبعون بابًا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه ) ) [صحيح رواه الحاكم] .
وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: ( فمن كان مقيمًا على الربا لا ينزع عنه ، فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه ، فإن نزع وإلا ضرب عنقه ) [رواه ابن جرير بسنده عن ابن عباس] ..هذا فيمن يتعاطى الربا .. فما بالكم بمن يحلل ويشرع الربا !!!!
إن ما تتخبط فيه البلاد من أزمات اقتصادية وسياسية وما انتشر فيها من الجرائم بشتى أنواعها ، وبشكل مذهل ما هو إلا عقوبة من الله ، وجزء من الحرب التي أعلنها سبحانه على من لم ينته عن تعاطي الربا ونحوه من المنكرات والمحق الذي حكم به على الربا { يمحق الله الربا ويربي الصدقات } .
2ـ وحينما علق الملك الصليب على صدره ، وظهر به أمام العالم فرحًا مسرورًا ، تأولتم فعله ، وسوغتموه مع شناعته وفظاعته ، رغم وضوح أن هذا الفعل كفر ، والظاهر من حال فاعله الرضا والاختيار عن علم .
3ـ ولما قررت قوات التحالف الصليبية واليهودية الغازية في حرب الخليج ـ بتواطؤ ـ مع النظام احتلال البلاد باسم تحرير الكويت سوغتم ذلك بفتوى متعسفة بررت هذا العمل الشنيع الذي أهان عزة الأمة ولطخ كرامتها ، ودنس مقدساتها معتبرة ذلك من باب الاستعانة بالكافر عند الضرورة ، مهملة قيود هذه الاستعانة ، وضوابط الضرورة المعتبرة .