قراءة: عبد الحق بوقلقول 19/9/1427
عنوان الكتاب جوهر التمدن الإسلامي: دراسات في فقه العمران
المؤلف د. مصطفى بن حموش
حجم الكتاب 207 صفحة مقاس '4A'
الناشر دار قابس للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان، ثم دار البصائر بالجزائر
صدر قبل فترة قليلة عن دار قابس للطباعة و النشر والتوزيع ببيروت، كتاب جديد بعنوان"جوهر التمدن الإسلامي: دراسات في فقه العمران"للمؤلف الدكتور مصطفى بن حموش الذي يعمل حالياً أستاذاً مشاركاً بكلية الهندسة في جامعة البحرين.
الكتاب في عمومه، عبارة عن مجموعة مقالات علمية محكمة نُشرت في مختلف المجلات العربية خلال السنوات العشر الأخيرة، و هي تتعرض بصفة عامة إلى أهم الركائز النظرية التي قام عليها التمدن الإسلامي، و لقد عززها المؤلف بعدد معتبر من الصور البديعة عن فن العمارة و فلسفة العمران عبر التاريخ الإسلامي.
من خلال هذا الكتاب، يهدف المؤلف بالدرجة الأولى إلى عرض جوهر التمدن الإسلامي عبر استقراء ثنائي: بين النص الإسلامي و البيئة الحضرية القديمة، و يردّ في ذات الوقت على بعض التهم الموجهة إلى المدن الإسلامية التي يقول عنها المؤلف إن الفوضى و العشوائية تغلبتا عليها.
ينطلق الكاتب من مصطلح التمدن، و هو ما يرادف العمران أو اجتماع الناس و تكوّن المستوطنات البشرية. و قد آثر الباحث عدم استعمال كلمة المدينة لأسباب كثيرة منها: أن هذا المفهوم أصبح في يومنا يقتصر على نوع معين من المستوطنات، و يمنع غيرها من الدخول في المفهوم العام للتمدن، و كذلك لشيوع هذه الكلمة في الكتب و اختلاف المفاهيم فيها مما جعلها مائعة و غامضة التعريف.
يعتقد الدكتور بن حموش أن للتمدن الإسلامي جوهراً و مظهراً؛ فقد حاول كثير من الباحثين الغوص في ماهية التمدن الإسلامي قصد استخراج خصوصياته. و الحقيقة أن كثيرين من بينهم، انتهى المطاف إلى بعض الخصوصيات الشكلية مثل استعمال الأقواس و الزخارف و القبب و الواجهات الصماء أو المشربيات و استعمال الأحواش للمباني و الشوارع المتعرجة و التكاثف في المباني ... إلى غيرها من الأوصاف التي تشترك فيها المدن الإسلامية العتيقة. هذه العناصر و إن كانت صحيحة وثابتة، مثلما يقول المؤلف، إلاّ أن التوقف عندها يجعل من التمدن الإسلامي شكلاً محدداً و طرازاً عمرانياً يقتصر على الجانب المادي، و تراثاً تاريخياً مرتبطاً بالزمان و المكان الذي تطور فيه.
لأجل ذلك فإن الكاتب ارتأى تجاوز ذلك المظهر في سبيل أن نستشف جوهر هذا التمدن الذي يتمثل في المقاصد و الغايات المستمدة من الشريعة و العقيدة و الأخلاق التي يقوم عليها هذا التمدن و التي هي من صلب الإٍسلام. و من هذه المقاصد مسألة القرابة و النسب، و حفظ الأعراض، و حدود استعمال السلطة العامة بعيداً عن الاستبداد أو الإهمال، و مبدأ الحرية الفردية أو الولاية الخاصة، و مبدأ عدم الضرر، و عدم الفساد في الأرض أو المحافظة على البيئة.
فالاعتقاد بديمومة الإسلام يدفع إلى ضبط هذه المقاصد لتكون مرجعاً ثابتاً لكل معنيٍّ بميدان التمدن و العمران. فكونها تتجاوز حدود الزمان و المكان، يتطلب أن يُعاد صياغة تمدننا المعاصر وفقها حتى لا يكون في تناقض مع تحدّيات العصر المتميز بهيمنة السيارة و تكنولوجيا التحكم في البيئة و ثورة الاتصالات.
هنا يصل الكاتب إلى طرح هذا التساؤل المحوري: ما هو الموقف من التراث العمراني المتمثل في المدن القديمة و المباني العتيقة؟ إنه ببساطة يمثل كيفية استجابة المسلمين لمقاصد الإسلام و غاياته العامة في فضاءات زمانية و مكانية محددة. و لذلك وجب حفظه كشاهد لتلك الرابطة بين الإسلام و البيئة الحضرية و مدى نجاح عقل المسلم في إقامة تلك الرابطة.
و لذلك فإن الاهتمام بجوهر التمدن الإسلامي لا يعني الدعوة إلى نسف التراث الحضري أو الحط من قيمته، إنما هو توظيفه للغايات الأسمى للبشرية -في عمارة الأرض- وفق ما جاء بها الإسلام.
و هنا نلحظ أن هذه النظرة، تلتقي مع أفكار المدارس العمرانية التي تدعو إلى إعادة الاعتبار للتاريخ الحضري كمصدر استنباط بدل المدارس 'العصرانية' التي تقوم على نكران الماضي و الهروب دوماً إلى المستقبل. فقد اكتسبت البشرية خبرات متراكمة في كيفية إنشاء المدن و تطويرها و إدارتها على مر القرون الطويلة بطول عمر الظاهرة العمرانية، و هي خبرات يجب عدم التفريط فيها بأي حال. و نحن كمسلمين- كما يقول الباحث- اشتركنا في هذا الإرث البشري لعدة قرون من خلال إضافتنا إلى نحو (450) مدينة إلى رصيده. و بالتالي فإن مساهمتنا المستقبلية، تكون بقدر اجتهادنا في صياغة جوهر التمدن الإسلامي في الميدان المعاصر وفق معطياته الحضارية الحالية. فليست هناك -وفق فلسفة كارل بوبر- حتمية تاريخية تشفع لنا، و تضمن لنا العودة إلى دورة الحضارة و لعب دور رئيس فيها، و إنما هو إعادة الاعتبار لهذا الجوهر بتحدينا للظروف المحيطة بنا، و اجتهادنا المستمر في تطبيقه و تقديمه في صورة لائقة للعصر.