فهرس الكتاب

الصفحة 1583 من 27364

ونيس المبروك الفسيي (*)

لا يخفى على الدارس علاقة المسلمين مع شعوب وحكومات الغرب؛ أنّ هذه العلاقة قد شابها الكثير من التوتر، وارتبطت في ضمير أبناء المسلمين بتاريخ مرير وطويل من التنكيل والظلم الذي مارسته جيوش وحكومات الغرب منذ زمن بعيد. ولعل خير شاهد على ذلك؛ ما حدث في الحروب الصليبية، وما كان من مأساة محاكم التفتيش، ونهايةً بالاستعمار الحديث، ثم هيمنة الغرب على شعوب المنطقة عبر المتنفذين والحكام، والتدخل في سياسات الشعوب المسلمة، ومصادرة قرارها السياسي الداخلي والخارجي.

كل هذه الأمور وغيرها؛ شكلت موروثاً ثقافياً يقوم على العداء والرفض، حتى ظن بعض المسلمين أن الأصل في العلاقة مع"الغرب والغربيين"هي الحرب والسيف. وأنّ الغرب كله في سلّة واحدة، ولا يمكن أن تكون هناك نقاط التقاء، أو بؤر للتعاون، ولا أرضية للتعايش، وكل ما نراه من ذكر لحقوق الإنسان، وحريات عامة؛ ما هي إلا فصل من فصول"المؤامرة"على الإسلام والمسلمين.

هذا في ظني ظلم للحق، وهضم للحقيقة، وهو قبل هذا وذاك ابتعاد عن منهج الإسلام الذي ينصف المخالف، وينأى عن التعميم، وينهى عن عاطفة العداء التي تحجب الحقوق، وتقطع الطريق على كل نوع من أنواع التعارف والتعايش والتعاون، التي من أجلها كان الناس شعوباً وقبائل، وتأخذ البريء بجريرة المسيء؛ التي حرمتها كل الأديان والرسائل (أم لم يُنبّأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفّى، أن لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزرَ أخرى) النجم الآيات 36 إلى 38.

كل ذلك لا ينبغي له أن ينسينا أبداً أن لنا أسساً وقيماً وضوابط في التعامل مع هذه القضية، فالمسلم مأمور شرعاً بأن ينطلق في مواقفه ومعاملاته؛ ضمن قواعد الشرع، والتي تحتم عليه ضبط مسارات العاطفة، والعمل ضمن محددات العدل والإنصاف مهما يكن من أمر، وبخاصة في موضوع بعيد الأثر وعظيم الخطر؛ كموضوع حديثنا هذا.

فالإسلام ينطلق في تعامله مع الغير، ولو كان كافراً؛ من أنّ الأصل في العلاقة معه هي السلم لا الحرب. وقد ورد في ذلك الكثير من النصوص الشرعية، قال - تعالى: (فإن اعتزلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً) ، وقوله - تعالى - (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله) ، وقوله صلى الله عليه وسلم (لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية) .

فالإسلام لا ينزع للحرب ابتداءً، إلا إن كان ظلماً واعتداءً ومنعاً من تبليغ رسالة الإسلام للناس، أما ما عدا ذلك؛ فلا إكراه في الدين، فالباعث على القتال هو الاعتداء، وليس مجرد المخالفة. والإسلام يكره الحرب، ويعتبر كفّ المؤمنين عن القتال من المنن التي يمن الله بها على عباده (وكفى الله المؤمنين القتال) .

بل كان النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم ، يغيِّر من أسماء صحابته الذين تسمّوا بحرب ومرة، لكراهته للحرب وأسمائها، فهذا هو الاتجاه العام أو المسار الذي يضبط علاقتنا مع غير المسلمين. والى هذا ذهب كثير من الفقهاء، ومنهم الإمامان الثوري والأوزاعي من السلف. (راجع كتاب العلاقات الدولية في الإسلام، ص 93 وما بعدها، للشيخ الدكتور وهبه الزحيلي - حفظه الله -) .

وقد سار سلف هذه الأمة على هذا النهج القويم، ولم تجنح بهم عاطفة البغض لما عليه أهل الكتاب من عناد ورفض للحق بل ومحاربة له، ولم تمنعهم من إنصاف المخالفين من أهل الذمة، وتأدية الحقوق إليهم، مسترشدين في ذلك بكتاب ربهم- تبارك وتعالى - (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنئآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله إنّ الله خبير بما تعملون) المائدة 8، وبقول الرسول الكريم (من ظلم معاهداً أو انتقصه حقاً أو كلّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس منه؛ فأنا حجيجه يوم القيامة) رواه أبو داوود.

وقد تعهدت الشريعة الغراء بكف الأذى عن أهل الذمة وتحريم قتلهم، بل جاء في الفقه الحنفي ما يفيد تحريم غيبة الذمي، إذ ذكر العلامة ابن عابدين في حاشيته على الدرّ المختار ما نصه"إنه بعقد الذمة وجب له ما لنا، فإذا حرمت غيبة المسلم حرمت غيبته". كما أفتى بعض الصحابة بالسماح لهم بممارسة دينهم وضرب نواقيسهم، وإخراج صلبانهم في أيام أعيادهم، كتاب الخراج لأبي يوسف - يرحمه الله -.

بعض المعالم للواقع الغربي المعاش:

وقبل الولوج في موضوع الفرص والمحاذير؛ أريد التقديم ببعض معالم الواقع المعاش في الغرب، التي ينبغي مراعاتها، ومن الجدير بالذكر التذكير بأنّ تقييم أي واقع يعيشه الناس هو من أصعب المهمات، نظراً لما يتحكم في ذلك من عوامل ثقافية، وتاريخية، وجغرافية، وسياسية، بل لما يتحكم فيه أيضاً من اختلاف الناس في تقييم كل عامل من هذه العوامل، ومدى تأثيره في المعادلة العامة. ومن أهم العوامل التي ينبغي مراعاتها في ظني:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت