فهرس الكتاب

الصفحة 13847 من 27364

الوهم الممتدُّ ..والشعارات المتساقطة!

د. عدنان النحوي 11/5/1428

إنَّ الأحداث المحزنة التي وقعت في غزة خلال الأسبوعين الماضيين، والاقتتال بين حماس وفتح قتالاً عنيفاً، وتبادل الاتهامات في وسائل الإعلام، واستفزاز كل فريقٍ للآخر، ممَّا أدَّى إلى سقوط كثير من الضحايا، وفتح المجال لإسرائيل أن تستفيد من ذلك فائدة كبيرة! فساهمت في قتل الفلسطينيين بطائراتها وصواريخها، وأضرَّ ذلك كلّه بقضية الإسلام وقضية فلسطين ضرراً كبيراً. وكأنَّ جميع الأحداث السابقة لم تكن كافية لتقدم للطرفين الموعظة والعبرة!

لا شكَّ أنَّ"اتفاق مكة"أوقف القتال الدائر بين الفلسطينيين أنفسهم في صراع ملتهب جنونيّ على السلطة، على الحكومة، على الدولة، على شيء ما، سمِّه أنتَ ما شئتَ، ولكنني أُسمِّيه"الوهم الممتدّ، والشعارات المتساقطة"!

إن التنافس بين الفلسطينيين دفع الأمور إلى أن تتجه إلى صراع بين الشعارات حين لا يُبْحث عن نهج ولا خطة، وسرعان ما تتغير الأهداف و يُطوى شعار التحرير، و كأنَّما التنافس هو بين شعارات لا يُرجى منها إلا اكتساب تأييد الجماهير وحشد الأنصار لتلك الشعارات! ثمَّ الصراع والاقتتال!

ولذلك لم يكن عجيباً أن يوقف اتفاق مكة نزيف الدم الفلسطيني، بعد أن أدرك الجميع خطورة ما كان فيه الفلسطينيون من فتنة كبيرة لا تُحمد عقباها.

ولكن هل يُغيّر اتفاق مكة ما تخفيه الصدور، ويعيد القلوب إلى خشية الله والتوبة الصادقة!

لقد كشفت الأحداث الأخيرة والسابقة ألواناً متعددة من نواحي الخلل في واقع المسلمين. ولا نستطيع هنا أن نعرض ذلك كله، ولكن يجب الإشارة على الأقل إلى نقاط سريعة. فقد اندفعت الأحداث كي يموت فيها التناصح فلا يقبل هذا النصيحة ولا يقبلها ذاك، وتثور العصبيات والأهواء في لهيب متفجّر، مما نراه في أكثر من موقع في العالم الإسلامي!

والأمر الأخطر هو أن التنافس دفع الصراع إلى أن يتجه إلى مواقف غير شرعية لا ترضي الله سبحانه وتعالى، ولا تُرَاعى فيها حُرْمة دم المسلم ولا حرمة عرضه أو ماله، وقد يسقط بعضهم في وحول الكذب!

فمن أين يأتي النصر في هذه الأجواء؟! وما هي الأيدي الخفيَّة التي تحرّك الأحداث وتدفعها إلى هذه الأجواء المظلمة؟!

أما بالنسبة للدول الأخرى الكبرى، وبالنسبة لإسرائيل، فقد تبيّن لنا بعض ملامح أساليبهم، فهي لا تنظر إلى قضية فلسطين كقضية مستقلة معزولة عن سائر قضايا منطقة الشرق الأوسط أو قضايا العالم اليوم وأمس وغداً. إنها تضع خطتها ونهجها وسياستها لجميع القضايا على ترابطها في ميدان المطامع والجشع، وعلى تفرد كل قضية بخصائصها المتميزة، خطة ونهج يجمعان الحالتين في آن واحد.

ونحن المسلمين نرفع دويَّ شعاراتنا لكل قضية منعزلة عن سائر القضايا، كلُّ قضية يُشْغَلُ أهلها بها وحدهم، وربما وجدوا بعض العواطف من هنا وهناك. ولكن في جميع قضايا المنطقة لا يوجد لدى أبنائها وأصحابها نهج مدروس أو خطة محدّدة، فحسبهم الشعارات، ولا يوجد نهج واحد جامع، ولا هدف واحد يتجمعون كلُّهم إليه.

الدول الكبرى تملك القوّة المادّية الحقيقية، قوة السلاح المدمّر، قوة الأجهزة المتعدّدة المتشابكة، قوة المؤسسات، قوة العلم المادي والصناعي، يُضاف إلى ذلك ما لديهم من عملاء ارتموا في أحضانهم، كما تجد في أفغانستان والعراق وفلسطين عملاء من أناس فقدوا الثقة بأمتهم، وفقدوا قبل ذلك إيمانهم بربّهم وخالقهم الله الذي لا إله إلا هو.

ولقد انتشر في الآونة الأخيرة تعبيرات ومصطلحات لا ندري كيف هبطت علينا دويّاً إعلاميّاً هادراً. ولعل من أبرزها:"احترام الآخر"، أو"الاعتراف بالآخر"، دون أن ندري من هو الآخر، إلاّ أن الحق الذي يجب أن يكون هو أن يعترف الآخر بنا، ويحترمنا الآخر، فنحن المعزولون الذين لا يُعْترف بنا ولا بحقوقنا ولا بهويّتنا التي تنازلنا عنها طواعية. وقِسْ على ذلك سائر المصطلحات التي لا مجال لمعالجتها في هذه العجالة كالديموقراطية، والعلمانية، والعولمة، والمرأة وغير ذلك!

الدول الكبرى وعلى رأسها أمريكا ازدادت جرأة في الدعوة إلى ما تزعمه من ديموقراطية كاذبة وعلمانية باطلة وعولمة قاتلة. ازدادت جرأة في دعوة المسلمين إلى باطلها، فاخترقوا صفوف المسلمين الممزَّقة، يدعون ويجهرون ويُلحِّون، ويضعون من أجل ذلك إمكانات ضخمة، إمكانات إعلامية، وماليَّة، وعلمية، وبشريَّة، وعسكرية، ثمَّ يُزيّنون ذلك كله بزخرف كاذب، ووعود كاذبة، ومكر وخداع قد سقط فيه الكثيرون. ومن أبرز مظاهر وسائلهم وأساليبهم ثلاثة أمور:

أولاً: أنهم يسيرون خطوة خطوة يتبعون بها الشيطان وخطواته، وقد نهى الله المؤمنين أن يتبعوا خطوات الشيطان:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [النور:21]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت