بقلم: أ .د.محمد عمارة
قبل الغزو الفكري، الذي جاء إلى الشرق الإسلامي في ركاب الغزوة الغربية الحديثة التي قادها"بونابرت" (1769 1821م) على مصر والشرق (1213ه 1798م) لم تكن هناك حاجة إلى وضع المواثيق التي تحدد المفاهيم والفلسفات لسلوك المسلمين في مختلف ميادين الحياة الفردية.. والأسرية.. والاجتماعية.. والسياسية ذلك أن المرجعية الإسلامية كانت هي الوحيدة الحاكمة، التي تحدد كل المفاهيم والفلسفات في سائر هذه الميادين..
ولقد كانت المشكلات التي تعاني منها الحياة الإسلامية مقصورة على"التطبيق"لهذه المفاهيم الإسلامية الواحدة، والتي تحكم حتى الاختلافات الفقهية الفرعية التي يثمرها الاجتهاد في إطار وحدة هذه المرجعية ومفاهيمها وفلسفاتها، ومدى اقتراب"الواقع والتطبيق"من"المثل"التي حددها الإسلام..
لكن الغزو الفكري الغربي قد أحدث متغيراً أساسياً، وذلك عندما زرع في المجتمعات الشرقية الإسلامية مرجعية حضارية أخرى وضعية"علمانية"لا دينية غدت منافساً شرساً لمرجعية الإسلام.. الأمر الذي استدعى واستوجب تمييز المفاهيم الإسلامية عن نظيرتها الوضعية العلمانية اللادينية في مختلف ميادين الحياة..
فبدأ الحديث عن ضرورة وأهمية تقنين الفقه الإسلامي كبديل متميز عن القانون الوضعي العلماني..
وبدأت البلورة للرؤية الإيمانية الإسلامية للكون والحياة لبداية الخلق.. والمسيرة.. والمصير.. ومكانة الإنسان في الكون كبديل متميز عن الرؤية الوضعية والمادية للكون والحياة..
وبدأت البلورة كذلك لمذهب الإسلام في الثروات والأموال والعدل الاجتماعي ومذهب الاستخلاف كبديل"لليبرالية الرأسمالية"و"الشمولية الشيوعية"في الاقتصاد والاجتماع.
ولأن الغزو الفكري قد تسلل إلى ميادين الحياة الإسلامية تدريجياً، وفي نعومة، وأحياناً على استحياء، بل وبواسطة الغش والتدليس في خلط المفاهيم ومضامين المصطلحات.. وذلك كي لا يستفز الحس الإسلامي، فتنتفض الأمة لمقاومته.. ولأن الدوائر التي تخطط لهذا الغزو كانت على علم بمكانة الأسرة في منظومة القيم الإسلامية مكانة"الحرم".. و"العرض".. و"الشرف"فلقد جاء الغزو لميدان الأسرة متأخراً، وفي مرحلة عموم البلوى لكل ميادين الحياة.. جاء في الوقت الذي أصبحت فيه الأسرة المسلمة"محاصرة"بهذا الغزو الفكري الغربي من جميع الجهات والاتجاهات!..
لقد بدأ تسلل القانون الوضعي أولاً إلى ميادين المنازعات التجارية في الموانئ عندما يكون أحد طرفي هذه المنازعات أجنبياً في سنة 1855م، في عهد الخديوي سعيد (1237 1279ه 1822 1863م) . ثم زاد هذا التسلل بإنشاء محكمة"قومسيون مصر"سنة 1861م، التي تقضي بالقانون الوضعي بين الأجانب والمصريين حتى خارج الموانئ التجارية.
ثم حدث تعميم هذا التسلل إلى مطلق ميادين المنازعات تجارية وغير تجارية التي يكون أحد طرفيها أجنبياً، وذلك عندما أنشئت"المحاكم المختلطة"في عهد الخديوي إسماعيل (1245 1312ه 1830 1895م) .. ورئيس وزرائه الأرمني نوبار باشا (1825 1899م) وذلك في سنة 1875م وهي المحاكم التي يقضي فيها القضاة الأجانب.. بالقانون الفرنسي.. واللغة الفرنسية ..
فلما وقع الاحتلال الإنجليزي لمصر سنة 1882م، عممت سلطات الاحتلال هذا القانون الأجنبي في المحاكم الأهلية المصرية مع بعض التعديلات .. فلم يبق خارج ولاية القانون الوضعي وحاكميته سوى الأسرة وأحوالها الشخصية.
ومع تصاعد موجات التغريب، وزيادة هيمنة الغرب على المؤسسات الدولية، واجتياح العولمة الغربية للخصوصيات الثقافية والقيمية غير الغربية في العقدين الأخيرين من القرن العشرين بدأ الاهتمام الغربي بحرمات الأسرة المسلمة، والانتهاك لمقدسات منظومة قيمها التي حددها الإسلام وصاغتها المرجعية الإسلامية.. الأمر الذي فرض ويفرض على مؤسسات العلم والفكر والعمل الإسلامي صياغة البديل الإسلامي في هذا الميدان.
لقد شرع الغزو الفكري والغربي، منذ العقدين الأخيرين للقرن العشرين، في صياغة منظومة قيمه في"الحداثة وما بعد الحداثة".. في مواثيق ومعاهدات، أخذ في عولمتها تحت ستار الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، وذلك لإحلال هذه المنظومة القيمة، المصادمة لكل القيم الدينية، محل منظومة القيم الإسلامية، وفي ميدان الأسرة على وجه التحديد.
وإذا كانت قوى الهيمنة الغربية المعاصرة، ترفع في ميدان السياسة شعار"الفوضى الخلاقة"، التي تتغيَّا من ورائها تفكيك المجتمعات الإسلامية وبعثرة مكونات وحدتها، وفق معايير عرقية ولغوية ومذهبية وطائفية، ليتأبد نهب ثروات هذه المجتمعات، بمنع التماسك والتضامن والوحدة الإسلامية من الجهاد لتحرير الأوطان والثروات.. فلقد غدت الهجمة الغربية على حصون الأسرة المسلمة بمثابة"المعركة الفاصلة"في هذه الغزوة وهذا الاحتواء.. الذي يتغيَّا إحداث الفوضى في عالم الأسرة لتفكيكها والقضاء على مقوماتها.. ومن ثم تفكيك الأمة، المكونة من الأسرة والعائلات.