فهرس الكتاب

الصفحة 21915 من 27364

[الكاتب: أبو بصير الطرطوسي]

مهما حاول دعاة الديمقراطية بكل اتجاهاتهم وانتماءاتهم - الذين يعيشون بأجسادهم في بلاد المسلمين وبقلوبهم وعقولهم في بلاد الغرب والكفر - أن يكسو الديمقراطية الثوب الوطني المحلي، أو القومي، أو الديني فيحملونها من المعاني مالا تحتمل ولا تتسع له، فإن للديمقراطية مبادئ وأسساً تقوم عليها وترافقها أينما حلت وحكمت، تُعتبر من الثوابت التي لا يمكن تغييرها أو تجاوزها، والتي من دونها لا تُسمى الديمقراطية - في عرف المؤسسين لها - ديمقراطية.

فالديمقراطية على اختلاف تشعباتها وتفسيراتها تقوم على مبادئ وأسسٍ نوجز أهمها في النقاط التالية:

أولاً:

تقوم الديمقراطية على مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطات بما في ذلك السلطة التشريعية، ويتم ذلك عن طريق اختيار ممثلين عن الشعب ينوبون عنه في مهمة التشريع وسن القوانين، وبعبارة أخرى فإن المشرع المطاع في الديمقراطية هو الإنسان وليس الله!

وهذا يعني أن المألوه المعبود المطاع - من جهة التشريع والتحليل والتحريم - هو الشعب والإنسان والمخلوق وليس الله تعالى، وهذا عين الكفر والشرك والضلال لمناقضته لأصول الدين والتوحيد، ولتضمنه إشراك الإنسان الضعيف الجاهل مع الله سبحانه وتعالى في أخص خصائص إلهيته، ألا وهو الحكم والتشريع...

قال تعالى: {إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه} [يوسف: 40] ، وقال تعالى: {ولا يشرك في حكمه أحداً} [الكهف: 26] ، وقال تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيءٍ فحكمه إلى الله} [الشورى: 10] ، وليس إلى الشعب أو الجماهير، أو الكثرة الكاثرة...

وقال تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقومٍ يوقنون} [المائدة: 50] ، وقال تعالى: {قل أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً} [الأنعام: 118] ، وقال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى: 21] ، فسمى الذين يشرعون للناس بغير سلطان من الله تعالى شركاء وأنداداً...

وقال تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} [المائدة: 49] ، وقال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} [التوبة: 31] .

جاء في الحديث عن عدي بن حاتم لما قدم على صلى الله عليه وسلم وهو نصراني، فسمعه يقرأ هذه الآية: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} . قال: فقلت له إنا لسنا نعبدهم - أي لم نكن نعبدهم من جهة التنسك والدعاء، والسجود والركوع، لظنه أن العبادة محصورة في هذه المعاني وحسب - قال: (أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلون"؟ قال: فقلت بلى. قال:(فتلك عبادتهم) ."

ونحوه قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواءٍ بيننا وبينكم ألا نعبد إلا اللهَ ولا نُشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} [آل عمران: 64] ، أي ليكون - يا أهل الكتاب - اتفاقنا واجتماعنا على كلمة سواء بيننا وبينكم تتضمن توحيد الله تعالى وعبادته وطاعته، والتحاكم إليه سبحانه؛ فنحل حلاله ونحرم حرامه، وأن لا نجعل من الإنسان المخلوق مألوهاً مطاعاً نرد إليه النزاعات، ونعترف له بحقه في الحكم والتشريع، والتحليل والتحريم، فنتخذه بذلك رباً من دون الله تعالى.

وهذا النداء خُص به أهل الكتاب - من اليهود والنصارى - لأنهم عُرفوا بعبادتهم للأحبار والرهبان، واتخاذهم لهم أرباباً من دون الله من جهة خاصية التشريع والتحليل والتحريم...

وواضح أن الناس في الأنظمة الديمقراطية يتخذون بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله، فهم فروا من عبادة الأحبار والرهبان إلى عبادة أحبار ورهبان أخرى تتمثل في أشخاص النواب، الذين أقروا لهم بحقهم - الذي لا يشاركهم فيه أحد - في التشريع، والتحليل والتحريم، وسن القوانين، وعلى العباد طاعتهم وامتثال أوامرهم في كل ما يصدر عنهم!

زعموا - كما يخيل إليهم - أنهم أحرار، وأنهم العالم الحر، وأنهم أسياد وهم في حقيقة أمرهم عبيد، عبيد لآلهة لا تُعد ولا تُحصى، هي أحط من نفوسهم، وأصغر منهم شأناً وقدراً!

تحرروا من عبادة الله القدير، ليعبدوا المخلوق الجاهل الضعيف في صور شتى، وتحت لافتات ومسميات براقة عديدة كلها تكرس مفهوم عبودية العبيد للعبيد... ثم بعد ذلك يزعمون زوراً وبهتاناً أنهم أحرار غير عبيد!

ورحم الله سيد قطب إذ يقول: إن الناس في جميع الأنظمة الأرضية يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله، يقع في أرقى الديمقراطيات، كما يقع في أحط الديكتاتوريات سواء...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت