جواد الشقوري**
غلاف مجلة مواقف
كيف يتسنى لفيلسوف يجمع بين الاشتغال المعرفي/الفلسفي والعمل السياسي/ الحزبي أن يؤسس لمقاربات فيها قدر معقول من التجرد والموضوعية؟! إننا وإن كنا منذ البداية نعتقد أن الموضوعية الوحيدة في أي اشتغال معرفي -كما يقول بعض علماء الاجتماع- هي أن يعتقد الباحث أنه غير موضوعي؛ فإن هذا لن يمنعنا من القول بأنه ليس من العيب أن يكون المثقف (بالمعنى العام والشامل) منخرطا في قضايا سياسية وحزبية، إذا كان هذا المثقف يستطيع أن يضع بينه وبين الأحداث"مسافة"معينة تمكنه من رؤية الأمور على حقيقتها، أو على الأقل أن يرى شيئا من حقيقتها؛ إذ المطلوب من المثقف الحزبي أن تكون لديه ضمانات معرفية ومنهجية تجعله يطمئن إلى"حتمية"الوصول إلى صياغة مقاربات تقترب من ملامسة الإشكاليات والظواهر المختلفة.
إن المشكلة الأساسية تحصل عندما تكون الاختيارات السياسية/الحزبية بمنزلة المنظار الذي من خلاله ينظر المثقف إلى موضوعاته ذات الطابع المعرفي؛ فتتلون المقاربات والظواهر بلون هذه الاختيارات القبلية، ومن ثم تتحول المعرفة إلى أيديولوجيا.
ومن بين المثقفين العرب الذين اشتغلوا بالثقافة والسياسة في آن واحد الفيلسوف العربي محمد عابد الجابري؛ إذ تأرجح طوال مسيرته الفلسفية بين التعمق في قضايا التراث العربي والعقل العربي.. وبين الانخراط في العمل السياسي الحزبي. وكثيرا ما مال الجابري إلى اعتقاد؛ مفاده أن المثقف الحقيقي ينبغي أن يظل دائما"فوق"السياسي؛ أي أن يكون المثقف هو الذي يوجه السياسي، وأن تكون السياسات التي يبنيها السياسي مبنية على ما وصل إليه المثقف من تأسيسات نظرية ومن تقديرات للمواقف.
إن المثقف المحنك تماشيا مع هذه الرؤية هو الذي يحصر همه في فهم الظواهر والأحداث، أما السياسي الناجح فهو الذي يتلقف ذلك الفهم؛ فيحوله إلى خطط وبرامج من أجل التغيير؛ فرسالة المثقف هي الفهم، ورسالة السياسي هي التغيير. وعندما يكون الإنسان مثقفا وسياسيا في نفس الوقت فإن عملية الجمع بين الفهم السليم والتغيير الناجح تظل معادلة صعبة لا يقوى على حلها إلا من فهم حدود كل من الثقافي والسياسي، وأدرك ما بينهما من جدلية.
وقد أصدر الجابري مؤخرا عددا جديدا من سلسلة:"مواقف إضاءات وشهادات"؛ هذه السلسلة عبارة عن كتب، وهي أقرب إلى جنس السيرة الذاتية منها إلى الكتابات الأكاديمية. وقد ارتأينا أن يقتصر عرضنا على ما جاء في العدد 22 من هذه السلسلة؛ بسبب ما تضمنه من مقاربات لبعض الأسئلة المعرفية والثقافية التي طالما نذر الجابري نفسه وكرس حياته لخدمتها. ومجمل ما جاء في هذه المقاربات هو جزء من بعض الحوارات التي أجريت مؤخرا مع الجابري. وقد حاولنا في هذه المساهمة أن نرتب تلكم المقاربات المنثورة في ثنايا الكتاب كله تحت عناوين كبيرة تختصر الاتجاه العام للأفكار.
في بناء العلاقة بين ثلاثي: الدين والسياسة والعلم
للجابري رؤية للدين وعلاقته بالسياسة تختلف عن رؤية معظم الاتجاهات"الحداثية"على طول عالمنا العربي؛ فالدين بالنسبة للجابري ينبغي ألا يطرح كشيء يمزق الهوية. ويعتقد أن الذين يطرحون الدين كمشكلة في المغرب -مثلا- يبالغون كثيرا! فالدين في تصور الجابري قد يكون مشكلة عندما يكون هناك تعدد ديني أو مذهبي أو طائفي.
وإذا ما انتقلنا إلى الجانب المتعلق بعلاقة الدين بالسياسة يقرر الجابري أن المطلوب في المجال السياسي في أي بلد إسلامي هو الخلفية الإسلامية، وهي -كما يقول- لا تتنافى مطلقا مع أي منظور حداثي وتقدمي.
أما عن الإشكالية القديمة المتعلقة بعلاقة الدين بالعلم؛ فيرى الجابري أنه لم يكن في الإسلام صراع بين الدين والعلم، كما كان حال أوربا. ولم يحرم علماء الدين عندنا القول بدوران الكرة الأرضية، بينما حرمها رجال الكنيسة!
ولتبيان مركزية الدين في تاريخنا أشار الجابري إلى أنه عندما مورست السياسة في الدين -في تاريخنا- كانت المصطلحات السياسية غير موجودة، وأن المفاهيم الدينية هي التي كانت سائدة. ويصر الجابري على القول بأن الصراع في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية كان بين الفلسفة والسياسة.
في التعامل السليم مع قضايا التراث
الجابري بدون منازع هو من بين الباحثين العرب القلائل الذين كرسوا حياتهم الفكرية للحفر في قضايا التراث؛ هذا الحفر أوصله إلى ملاحظة مؤداها أن الفكر العربي -من حيث تعامله مع التراث- قد سلك طريقين منذ القرن التاسع عشر: الأول الدعوة إلى سحب الماضي وإلغائه وتبني الحداثة كما هي، وهناك في المقابل الدعوة إلى فعل عكس ذلك. وهذان الاتجاهان في رأي الفيلسوف المغربي وصلا إلى طريق مسدود.