فهرس الكتاب

الصفحة 14028 من 27364

الشيخ- سعد بن عبدالله السعدان

الشعر هو ديوان العرب، وهو تعبير عن خلجات النفس، ونبضات القلب.

ولقد اهتم الإسلام بوظيفة الشعر، واعتنى بتوجيه مضمونه، فأراد بذلك أن يسمو بالشعر والشعراء، وأن يجعلهم أداة بناء وإسعاد، بعد أن كانوا من قبل أداة هدم وشقاء.

وقد فهم الصحابة موقف الإسلام من الشعر، كما علمهم القرآن الكريم، ورسول الله ، فكان منهم من قال الشعر وأجاد، ومنهم بالإضافة إلى حسان أمير شعراء الإسلام، كعب بن مالك، وعبدالله بن رواحة وغيرهما، ورويت أقوال عن كبار الصحابة تحث على تعلم الشعر والعمل بمضمونه الحسن، من ذلك قول عمر رضي الله عنه:"احفظ محاسن الشعر يحسن أدبك، فإن محاسن الشعر تدل على مكارم الأخلاق، وتنهى عن مساوئها".

ومع هذا فقد وردت أحاديث في ذم الشعر، وأخرى في مدحه تستدعي توفيقاً بينها، ولذا أحببت أن أُفَصِّل في ذلك، وأبين الحكم الشرعي في مسألةِ الشعر والشعراء.

الشعر في اللغة:

الشين والعين والراء أصلان معروفان، يدل أحدهما على: ثبات، والآخر على عِلْم وعَلَم.

فالأول: الشَّعْر، معروف، والجمع أشعار، وهو جمع جمعٍ، والواحدة شَعْرة.

والباب الآخر: الشِّعار، الذي يتنادى به القوم في الحرب ليعرف بعضهم بعضاً. والأصل: قولهم شَعَرتُ بالشيء، إذا علمته وفطنتَ له.

قالوا: وسُمِّي الشاعر، لأنه يَفطِن لما لا يفطن له غيره.

قالوا: والدليل على ذلك قول عنترة:

هل غادرَ الشعراءُ من مُتردَّمِ

أم هل عرفتَ الدارَ بعد توهُّمِ

يقول: إن الشعراء لم يغادروا شيئاً إلا فطنوا له (1) .

قال اليزيدي:

شعر الشاعر، والشِّعرُ من قولك: ما شعرت به شعراً. ومنه قيل: ليت شعري ما فعل فلان (2) .

والشعر: منظوم القول، غلب عليه لشرفه بالوزن والقافية. قال الأزهري: الشعر القريضُ المحدود بعلامات لا يجاوزها. وشعرَ الرجلُ يَشعُرُ شِعْراً وشَعْراً وشَعُرَ، وقيل: شَعرَ قالَ الشعر، وشَعُرَ أجادَ الشعر، ورجل شاعر، والجمع شعراء (3) .

والشعر هو حديث الشعور، يقول ابن رَشِيق:"وإنما سُمِّي الشاعر شاعراً لأنه يشعر بما لا يشعر به غيره" (4) .

ويلاحظ أن كلمة الشعر في معاجم اللغة ترتبط بالعلم والفطنة، والعقل، لا بالحذر والغيوبة والأساطير، ونحو ذلك.

هكذا هو الشعر العربي منظوم القول، غلب عليه لشرفه بالوزن والقافية فله قواعد وأصول ينبغي لكل من أراد أن ينظم الشعر أن يكون على دراية تامة بها، ولا يحيد عنها البتة، لأن اللغة العربية نظمت كل شيء والتجاوز في أصول العربية بإدخال ما سموه بالشعر الحر!؟ الذي تولى كِبْره أدباء الحداثة؟ الذين تأثروا بأدب الغرب المبني على الأساطير والخرافات وهدم الثوابت، ونبذ الدين، جناية على لغة القرآن، وخطر محدق بالعربية، وللأسف أن هذا اللون له منتدياته، ووسائِلُه الإعلامية هي الأكثرُ إنتشاراً وسيطرة، ويوصف بأنه الشعر الإبداعي؟

ويا ويل من تعرض له بنقدٍ، فسيكون عرضة للتجريح والتقريع والتوبيخ. وسيوصف بصفات التخلف، ومحاربة الإبداع؟!

وزحفَ هذا اللون، وامتلأت به الصحف اليومية والمجلات، وامتلأت الساحات بمثل هذا الغثاء الذي يسمونه شعراً، وهو من نوع الأساطير والحكايات التي لا تفهم!؟ فلا وزن، ولا قافية، ولا خصائص فيه، فهو معول هدم لا بناء، وفيروس فتاك بلغة الضاد.

الشعر في الاصطلاح:

كلامٌ مُقَفى موزون على سبيل القصد.

والقيد الأخير يُخرج: نحو قوله تعالى: الذي أنقض ظهرك (3) ورفعنا لك ذكرك (4) {الشرح: 3 - 4} .

فإنه كلامٌ مُقَفى موزون، لكن ليس بشعر، لأن الإتيان به موزوناً ليس على سبيل القصد.

والشعر في اصطلاح المنطقيين:

قِياسٌ مُؤَلَّف من المخيلات. والغرض منه انفعال النفس بالترغيب والتنفير، كقولهم:

الخمر ياقوته سيالة، والعسل مرة مهوعة (5) .

وقال الشيخ الأديب محمود محمد شاكر رحمه الله: الشعر كلام صادر عن قلب إنسان مُبين عن نفسه (6) .

وقد عرف بعض الأدباء المعاصرين الشعر فقال: الشعر هو نوعٌ من التعبير الفني، له عناصره الفنية الخاصة به، يهبه كل عنصر درجةً من الجمال، حتى يرقى إلى المستوى الذي يستحق معه أن يسمى فناً وأدباً (7) .

العرب والشعر:

يعد الشعر ظاهرة ثابتة في حياة البشرية من أفراد وجماعات وقبائل وشعوب في جميع العصور والأزمان.

ولكنه مع العرب كان ظاهرة أبعد عمقاً، حتى كان ملكة البيان فيهم، وكانوا يتنافسون على تحصيله والإبداع فيه، ولهذا كانوا يفرحون فرحاً شديداً بنبوغ شاعر فيه، بل ربما تعدى إلى الاحتفال به، ورفع منزلته، والإشارة إليه بالبنان، ولمكانة هذا الأمر عندهم فقد كانوا يمتدحون الشعر ويذكرونه، قال الطائي:

إن القوافيَ والمساعيَ لم تزل

مثلَ النظام إذا أصابَ فريدا

هي جوهرٌ نثر فإن ألَّفْتَه

بالشعر صارَ قلائداً وعقودا

من أجل ذلكَ كانت العربُ الأُلى

يدعُون هذا سُؤْدداً مجدودا

وتَنِدُّ عندهُم العلا إلا عُلاً

جُعِلت لها مِرَرُ القريضِ قيودا

وقال أيضاً:

ولم أر كالمعروف تُدعى حُقوقُه

مغارمَ في الأقوامِ وهي مغانمُ

وإن العلا مالم ترً الشعر بينها

لكا لأرض غُفلاً ليس فيها معالمُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت