جمال سلطان (*)
قَدَرُ الفكر الإسلامي، بل الفكر الإنساني عامة أن يواجه في العقدين الأخيرين سلسلة متلاحقة من المصطلحات الجديدة في السياسة والاقتصاد والفكر والدين وغير ذلك؛ بصورة ترهق العقل الإنساني إذا حاول التأمل والتفكيك لهذه المصطلحات وتدوير النظر فيها وتعميقه. وكان مصطلح العولمة واحداً من أحدث هذه المصطلحات التي ابتلينا بها، والتي نحاول منذ سنوات التأمل فيه وتفكيكه والبحث في مراميه وخلفياته، ونحاول فهمه في ضوء ما ابتلينا به سابقاً من مصطلحات أو ظواهر إنسانية مختلفة، ورغم محاولاتنا ومحاولات غيرنا فإن مصطلح العولمة ما زال يحمل قدراً كبيراً من المراوغة وعدم الوضوح، ويتجلى ذلك في العديد من التأويلات والتفسيرات التي طرحت له من قِبَل مفكرين عرب ومسلمين وغربيين، وبصورة تجعل محاولة الانشغال بضبط المصطلح علمياً أمراً غير ذي جدوى، وحسبنا الإطار العام الذي تدور فيه دلالات المصطلح، ألا وهو النزوع نحو الهيمنة الاقتصادية والثقافية والإعلامية والقيمية للقوى القادرة والمستكبرة في عالم اليوم على غيرها من الأمم والشعوب، وبصورة تؤدي إلى «تنميط» الحالة الإنسانية وهندسة البناء الاجتماعي وفق معادلات تم وضعها سلفاً وبصورة حاسمة ومدمرة للشخصية الإنسانية.
ولعل الوجه الأبرز والأكثر حضوراً للعولمة هذه الأيام هو الوجه الاقتصادي، ومعظم المؤتمرات ـ أو المؤامرات ـ التي تعقد في الشرق أو الغرب تحت مظلة أو لافتة «العولمة» هي ذات وجه اقتصادي واضح وصريح، كما حدث في سياتل الأمريكية، وأخيراً في «جنوا» الإيطالية التي شهدت أول قتيل «أوروبي» في انتفاضة الضمير الإنساني ضد مخاطر العولمة.
وبروز هذا الوجه الاقتصادي للعولمة على غيره إنما يعبر في الحقيقة عن الوجهة العامة للمؤسسات الدولية المتحكمة في مسار التاريخ الإنساني الآن؛ إذ إن «القيم المادية» هي الهدف وهي البوصلة وهي الطريق الوحيد أو الأبرز والأساس الذي تتجه إليه هذه المؤسسات، ويأتي الشأن الثقافي والفكري والإعلامي وحتى السياسي فيما بعد نوعاً من الدعم أو «الخدمة» لهذه الوجهة؛ ومن ثم فلنا أن نتصور الحديث عن العولمة بوصفها وجهاً للهيمنة الاقتصادية لرأس المال المحتكر للطاقة البشرية، وبحثه عن «تطويع» العقل والوجدان الإنساني بحيث يتعايش مع هذه الهيمنة ولا يتنافر معها، وفي سبيله إلى هذا «التطويع» لن يعدم استغلال إمكانياته الهائلة في «إغواء» أو حتى «إذلال» المؤسسات الإعلامية أو الثقافية أو «الدينية» ـ مع الأسف الشديد ـ لكي تدعم توجهاته وأهدافه، وهي الأهداف التي تتلخص في صناعة شخصية إنسانية شهوانية، فاقدة لأية قيم إنسانية راسخة، دينية أو أخلاقية، ذات هوس استهلاكي وفراغ عقلي ووجداني، وفاقدة لأية مناعة نفسية أو وجدانية أو عقلية ضد عمليات «التنميط» للشخصية الإنسانية؛ بحيث يمكن إعادة هيكلة اتجاهاتها وعواطفها كل حين كما لو كانت زياً في الملابس «موضة» وقصة الشعر.
والحقيقة أن محاولات الدخول إلى العقل الإسلامي بقيم العولمة من بوابة الثقافة والفكر، والتي لم تعد تحتاج جهوداً أجنبية؛ حيث هناك من بني جلدتنا ولساننا من يتولون الدعوة الصريحة والفجة لها، أقول: هذا المدخل يعود أساساً إلى غياب الوعي والإدراك الكامل لمفهوم التبعية في العالم الثالث؛ حيث روجت القوى الثورية واليسارية والقومية التي قادت حركة الفكر في نصف القرن الأخير في العالم العربي والإسلامي، روجت للمفهوم السياسي والاقتصادي للاستقلال؛ بينما تجاهلت ـ أو جهلت ـ الأخطر والأفدح، وهو الاستقلال الفكري والثقافي؛ فكنت تجد بعض المدافعين عن الاستقلال الوطني ـ مثلاً ـ يمثلون ـ هم أنفسهم ـ بوابات التغريب والتبعية الثقافية في العالم العربي والإٍسلامي، بل من مفارقات الأمور التاريخية المذهلة ما سجله التاريخ المصري الحديث عن «صفية زغلول» المسماة بأم المصريين، زوجة الزعيم المشهور سعد زغلول، حيث قادت مظاهرة نسائية كبيرة في عشرينيات القرن الماضي ضد الاحتلال البريطاني وداعية إلى الاستقلال، وفي التظاهرة أعلنت ـ هي ورفيقاتها ـ خلع الحجاب وكأن ذلك جزء من النضال التحرري؛ رغم أنها في الحقيقة بهذا العمل الرمزي إنما تعلن التبعية الثقافية والقيمية للمستعمر الذي تطالب بالتحرر السياسي منه.