إن من المفارقات الغريبة لدى بعض الكتاب والباحثين المشتغلين بالشؤون العامة - الفكرية والسياسية والحضارية - أنك تجدهم يتكلمون بانفعال وصرامة في أمر «التبعية» السياسية والاقتصادية للغرب أو الشرق، وينعون على مجتمعاتهم أو بعض القوى فيها عدم اكتراثها بالوقوف في وجه «التبعية» وفضح آثارها ومخاطرها، ومسها بمصالح المجتمع وكرامته ومستقبله كله، ثم إذا أنت تكلمت مع هؤلاء عن «التبعية الفكرية» ومخاطرها وآثارها ـ بعيدة المدى ـ في مصالح الأمة وشخصية إنسانها ـ وجدتهم يتعجبون من كلامك ويستنكرون عليك منطقك ويتهمونك بالغلو والتطرف، وساموك أبشع ألوان الاستهزاء والسخرية، ثم أرهقوا أذنيك وأعصابك بالحديث عن العالم الذي أصبح قرية واحدة، والتلاقح الفكري، والانفتاح الثقافي... إلى آخره.
ولا شك أن هذه المفارقات تكشف عن غياب الوعي الراشد بجوهر مفهوم «التبعية» وأبعاده المختلفة، واستحالة الانتقاء في الموقف تجاهه، بحيث تقبل التبعية في جانب وترفضها في آخر. إن التبعية رذيلة إنسانية وحضارية بكل أبعادها، وهي مؤشر للانهيار الحضاري، وعقم المجتمع، وانعدام الإحساس بالتميز والكرامة معاً، وتلاشي قوى الأمة وقدراتها الإبداعية، ثم إن المنطق اليسير يؤكد أن «التبعية» - في المجال الفكري والثقافي ـ أخطر بكثير من التبعية في السياسة أو الاقتصاد؛ إذ إن العلاقات السياسية أو الاقتصادية هي مما يتميز باللحظية والتحول، وكثيراً ما تتصل بمصالح مشتركة؛ مما يجعل لها وجه اشتباه ـ لدى العامة ـ في الإحساس بخطر «التبعية» فيها، وبما يؤمل معه القدرة على رفض هذه التبعية أو التخلي عنها في لحظة أخرى. أما في مجال الثقافة والفكر، فالأمر لا يتعلق بلحظة وإنما يتعلق بصياغة الشخصية الإنسانية ذاتها، ومعتقداتها، وقيمها، ومفهوماتها، ونظرتها إلى مختلف شؤون الحياة؛ فإذا حدث اختراق لهذا الكيان فهو تأسيس لشخصية جديدة بمواصفات جديدة يستحيل تغييرها بين لحظة وأخرى، وتكون معالجة الشرخ الاجتماعي - الذي تحدثه - شديدة الصعوبة، كما أن «التبعية الفكرية» هي ـ في الحقيقة ـ التي تمهد الواقع الاجتماعي للتبعية السياسية والاقتصادية، بل إنها هي التي تفقد الإنسان الإحساس بوجود تبعية من أساسها؛ إذ إن الإحساس بوجود التبعية يعود إلى تصور مسبق بأنك كيان متميز غير متمازج أو متماهٍ مع كيان آخر، وأن من حقك على هذا «الآخر» أن يحترم استقلال رأيك وقرارك ومصالحك الاقتصادية وغيرها.
في العالم العربي الآن ـ على سبيل المثال ـ توجهات جديدة مثيرة في النشاط الإعلامي، في مرحلة ما بعد المحلية، أعني في مرحلة البث الفضائي، وهو جزء ـ شئنا أم أبينا ـ من آليات العولمة الجديدة، في المجال التقني على الأقل. هناك الآن في العالم العربي ظاهرة وجود نشاط ملحوظ لعدد جديد من البرامج الإعلامية التي ترسخ قيماً جديدة وخطيرة للغاية في البناء النفسي والعقلي للإنسان المسلم، ولعل الجدل الديني والصحفي الذي احتدم مؤخراً عن برامج «المسابقات» في قنوات تلفزيونية عديدة، يشير إلى أي مدى تجري المحاولات لاختراق المجتمع حتى المؤسسات الدينية لكي توظف في النهاية من أجل دعم توجهات «العولمة» على الصعيد المحلي؛ فهناك الآن برامج تلعب على «دغدغة» مشاعر الناس، والبسطاء بوجه خاص، وترسخ في روح المجتمع فكرة البحث عن «الثراء» السريع والخاطف هدفاً وطموحاً نهائياً، بدون بذل جهد حقيقي، وهي نوع من اللعب بالأوراق أو الأرقام، وبعض هذه البرامج يكون فيها «المقامرة» واضحة، سواء من خلال المقامرة بما يكتسبه المتسابق في مراحل سابقة من البرنامج المعروض، أو فيما يدفعه المتسابقون من أموال للاتصالات بأسعار خاصة، كأن يكون سعر الدقيقة المعتادة جنيهاً فيدفع في دقيقة الاتصال بالبرنامج خمسة جنيهات؛ فالأربعة الأخرى إسهام في مقامرة حقيقية، وعقب ما أصدره بعض العلماء من فتاوى صريحة بأن هذا قمار محرم شرعاً، فوجئنا بمؤسسات «دينية» رسمية تجتمع على عجل وبشكل استثنائي لكي تخرج على الناس، وعلى معالي الوزير، بفتوى تقول إن برامج المسابقات التي يبثها التلفزيون الرسمي حلال ولا شيء فيها.
توظيف المؤسسة الدينية في خدمة توجهات السلطة السياسية هو أمر شائع إلى حد ما في العالم الثالث، وخاصة في النظم القمعية والاستبدادية، ولكن المثير للدهشة الآن أن توظيف المؤسسات الدينية لم يعد يتعلق بالسلطة السياسية ومصالحها مباشرة، بل هو توظيف لخدمة توجهات عالمية تصب في النهاية في خدمة احتكارات دولية كما تصب في خدمة قيم مدمِّرة ومخرِّبة للبناء النفسي والعقلي والاجتماعي في المجتمع؛ لأنها ترسخ معنى أن الحياة «مقامرة» وضربة حظ، وأن العمل الجاد والصبور والبناء ليس هو سبيل الثراء، وحينما تترسخ هذه المعاني في مجتمع يعاني ضعف الفعالية الإنتاجية أصلاً، ويعاني اختلالات هيكلية في اقتصادياته، فإن الأمر يكون أكثر تدميراً. والمثير للدهشة أن يتم هذا التدمير بمباركة مؤسسات دينية، وبصمت مذهل من نخب ثقافية تزعم الاستنارة والتحرر ومقاومة التبعية.