أحمد محمد علي صوان
كل الأطفال يحبون الحلوى على اختلاف مسمياتها، وتجذبهم ألوانها ودعايتها، ولو طلب منك ابنك حلوى مكشوفة في الشارع يحلّق فوقها الذباب ويقع، لسهل عليك إقناعه بالانصراف عنها إلى محل نظيف مأمون، فالبديل متوافر، بل هو كثير كثير، ولن تستجيب لطلبه؛ لأنه لا يعرف الصّالح له، لكن الأمر مختلف تمامًا إذا تعلّق ابنك بفِلْم مرسوم شاهد دعايته، أو حدّثه عنه صديقه أو أعاره إياه أو غير ذلك. نعم، ليسا سواء، فهنا - أي أمام الرسوم المتحركة التي تحوِّم فوقها مُعطيات فاسدة غالبًا- سيُسقط في يدك، أتدري لماذا؟ لأن البديل عزيز نادر، هذا إن كنا نعرف الصالح من الفاسد في هذه الأفلام.
يشهد الواقع أنّ ما يطلبه الأبناء من الأفلام مُحقّق لهم ومُوفَّر، لكنَّ ما يشاهدونه في القنوات الفضائية لا يناقشه الوالدان، ولا يلفت نظرهما؛ لأنَّ فترة الأطفال ساعة أو ساعتان أو ساعات هي حق لهم، وهما - الوالدان - في هذه الفترة منهمكان في تلبية مطالب الحياة الأسرية! ولو سألت أحد الآباء أو إحدى الأمهات عن سبب ترك فِلْذات أكبادهم وقتًا طويلًا أمام هذه الرسوم المتحرِّكة لكانت الإجابة:"دعهم في مرح وتسلية، فلا شيء فيها"وآخر يقول:"لا شك أن فيه خطورة، ولكن ليس في وسعي فعل شيء"، وهلمّ جرًا من هذه الإجابات الاستسلامية الساذجة.
إنّنا إن كنا ندري ما في هذه الأفلام من طامَّات كبرى خطيرة، ولا نُحَرِّك ساكنًا، فتلك مصيبة، و إذا كنا لا ندري، فالمصيبة أعظم!
لا شكَّ أنَّ حرصنا على نمو أجساد أبنائنا وبناتنا نموًا سليمًا له الأولوية، لكنَّها تربيةٌ ماديَّةٌ تُفرزها الحياة الحديثة الوافدة المستوردة، و لا يصح أنْ يَقِلَّ اهتمامنا بما يشاهدونه ويسمعونه عن اهتمامنا بأكلهم وشربهم، بل الأُولى آكد وأَولى، صحيح كله أكل، ولكن شتان ما بين أكل يذهب إلى المعدة، وبين أكل يذهب إلى العقل والوجدان! وصغير الإنسان إذا لم نَتَعَهَّدْه بالتربية والرعاية الدينية والثقافية والأخلاقية فلن يختلف كثيرًا عن صغير الحيوان! بل قد يتفوق صغير الحيوان عليه إذا لم نرع الطفل - الذي خلقه الله على الفطرة - حقَّ رعايته واتقينا الله فيه.
في هذه المرحلة الخطيرة من حياة الإنسان تتشكل شخصية الطفل، ويتلاءم سلوكه و مطالب المجتمع الجيِّد، و تعديل سلوكه - إنْ ظهر في سلوكه خطأ ما - سَهْل ميسور، فلنبادر إلى رعاية سليمة لهذه العقول الغضة الطرية والأغصان الندية قبل أن تيبس وتتحجر، وعند ذلك لن نستطيع أن نُقَوِّمَ الخشب، فهل ندع أعزّ ما نملك ريشة في مهب الريح؟ ألم يحن الوقت لِصَحوة ترفض التبعية البَكْمَاء بعيدًا عن الحِكمة و التَبَصُّر؟!
ها هم أُولاء أطفالنا يُمْطَرُون يوميًا بوابل من الأفلام المرسومة، نراهم أسرى مكتوفي الأيدي أمامها! حتى صاروا مدمنين عليها، لا يستطيعون عنها فكاكًا، ولِمَ الفكاك عنها وهي المتعة والسرور والجمال؟ إنه لأمر محزن. لقد رضينا بهذا الأَسْر لأبنائنا في غياب رسالتنا عن أذهاننا ظنًّا منَّا أن أمر الأفلام سهل هيِّن، فهل هو كذلك؟
لا شك أن الطفل ابن تربيته، والاهتمام به دليل على حضارة أمته، بل هو أمر لا يختلف فيه العقلاء، أُقَدِّم هذه المقولة سلفًا جوابًا لتساؤلات: لماذا اختلفت أخلاق أطفالنا عمّا رسمناه لهم؟ وكيف تأتّى لأبنائنا أن يستخِفُّوا بكثير من ثوابت أمَّتهم، ولم يرعوها حق رعايتها؟ كيف اكتسبوا ما اكتسبوه من التّلفزة؟ ولعل السؤال الأنسب في هذا السياق هو: هل ألقينا معاذيرنا قبل أن نلوم أطفالنا؟
ما يُقدّم لأطفالنا - وأفلام الرسوم المتحرِّكة من أهمِّه - له جاذبية كبيرة لكثير من الكبار، وهذا مشاهد ومعروف، لكنه للصغار أكثر جاذبية، وأشد إغراء، وهم ضعيفو المقاومة لها، لذلك نراهم مسلوبي الإرادة أمامها: تُفرحهم و تُحزنهم، تُريحهم وتُغضبهم، تأسرهم و تشدُّهم. انظر إليهم وهم يَتَلَقّون عن هذه الأفلام، هل تسمع لهم همسًا؟!
لقد خبر الآخرون أثر هذه الأفلام في هؤلاء الأطفال فَعُنوا فيها عناية فائقة وقدموها تقديمًا يأخذ الألباب؛ فغرسوا ما يشاؤون، ونزعوا ما يشاؤون، وهذا حق لهم في أطفالهم وبلادهم، أمَّا أن تزحف هذه الأخلاق والأفكار والعقائد وتقطع قارات للوصول إلى أطفالنا فهذا هو العجيب والنادر حدوثه! تُرى هل ثمة أعجب من هذا؟ للأسف، نعم. إنه تقصيرنا وغفلتنا عن خطورة هذه الأفلام!
وبما أن الأمريكيين - على سبيل المثال - في نجاح مستمر في هذه الأفلام؛ لأنهم يدرسون ويخططون، فإنهم ماضون في الاستعانة بشخصيات شعبية عالمية في أمم شتى، كشخصية سندباد، وعلاء الدين، و سندريللا، وبوكاهانتس وغيرها، بعد أن أسسوا لشخصيات أضحت رموزًا للثقافة الأمريكية ك: ميكي ماوس، ودونالد دك، وبلوتو، وتوم وجيري، وغيرها. يرافق ذلك حملة إعلامية من الملصقات والدعايات والصور لهؤلاء الأبطال على الأدوات المدرسية والألعاب والملابس، فحيثما التفت الطفل وجد شخصيته الكرتونية قريبة منه.