الشكر خير عيش السعداء لم يترقوا إلى أعلى المنازل إلا بشكرهم ، ولمّا كان الإيمان صفين ، نصفٌ شكر ونصفٌ صبر ، كان حقيقاً على من نصح نفسه وآثر نجاتها وسعادتها. تعريف الشكر الشكر لغةً: الاعتراف بالإحسان، شكرت الله- شكرت لله- شكرت نعمة الله . فالشكر في اللغة هو ظهور أذر الغذاء في جسم الحيوان، والشكور من الدواب ما يكفيه العلف القليل أو الذي يسمن على العلف القليل. والشكر خلاف الكفر. والشكر الثناء على المحسن بما أولاه من معروف ، وتقول شكرته وشكرت له وقيل اللام أنصح ، و الشكران خلاف الكفران. اشتكرت السماء أي اشتد وقع مطرها. و اشتكر الضرع أي امتلأ لبناً . والشكر الزيادة والنماء. والشكر في الاصطلاح: ظهور أثر النعم الإلهية على العبد في قلبه إيماناً وفي لسانه حمداً وثناءً وفي جوارحه عبادة وطاعة ويكون القليل من النعمة مستوحياً الكثير من الشكر فكيف إذا كانت النعم كثيرة؟، ومن العباد من هو شاكر ومنهم من هو كافر. شكرت له، يتعدى باللام ، وكفرت به ؛ يتعدى بالباء!، ولابن القيم نكتة طرفة في هذا فيقول: [المشكور في الحقيقة هي النعمة وهي مضافة إلى المنعم لذلك تقول شكرت له فيتعدى باللام ، أما الكفر ففيه تكذيب وجحد بالنعمة لذلك قالوا كفر بالله وكفر بنعمته وكفر بآلائه فلذلك تعدى بالباء] . هذا الشكر له مقامات عظيمة في الدين: 1- قرن الله ذكره بشكره وكلاهما المراد بالخلق والأمر والصبر خادم لهما ووسيلة إليهما وعوناً عليهما، فقد قرن الله الشكر بالذكر فقال: (( فاذكروني أذكركم واشكروني ولا تكفرون ) ). 2- قرن الشكر بالإيمان ، وأنه لا غرض له في عذاب الخلق إذا قالوا آمنا (( ماذا يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ) )، أي وفيتم حقه وما خلقتم من أجله وهو الشكر بالإيمان. 3- أهل الشكر هم المخصوصين بمنته عليهم من بين عباده فقال تعالى: (( وكذلك فتنّا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء الذين منّ الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين ) ). 4- قسم الناس إلى شكور وكفور فأبغض الأشياء إليه الكفر وأهل الكفر وأحب الأشياء إليه الشكر وأهل الشكر (( إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً ) ). 5- يبتلي عباده ليستخرج الشكور فقال تعالى على لسان سليمان عليه السلام: (( هذا من فضل ربي يبلوني أءشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم ) ). 6- وعد الشاكرين بالزيادة (( وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ) ). 7- الله يرضى عمل الشاكرين ويرضى الشكر (( إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ) ). فيقارن الله بين الشكر والكفر وأنهما ضدّان (( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين ) ). والشاكرون في هذه الآيات الذين ثبتوا على نعمة الإيمان ولم ينقلبوا على أعقابهم. فمن الناس من لا يصمد عند الابتلاء والمحنة فيكفر ولا يثبت، ومنهم من يظهر لربه حقيقة ما في قلبه عند المحنة والابتلاء ، فيتعالى لسانه بذكر ربه وحمده فيثبت ويشكر شكراً عملياً بالقلب واللسان والجوارح. 8- علّق الله المزيد بالشكر والمزيد من لا نهاية له، كما أن الشكر لا نهاية له، ووقف الله الكثير من الجزاء على المشيئة.. - (( فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء ) ). - في الإجابة (( فيكشف ما تدعون إليه إن شاء ) ). - في المغفرة (( يغفر لمن يشاء ) ). - في الرزق (( يرزق من يشاء ) ). - في التوبة (( ويتوب الله على من يشاء ) ). أما الشكر فإنه أطلقه (( وسنجزي الشاكرين ) )، (( وسيجزي الله الشاكرين) ولم يقل (( إن شاء ) )!! 9- أخبر سبحانه وتعالى أن إبليس من مقاصده أن يمنع العباد من الشكر، فتعهد إبليس بأشياء (( ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين ) )فإبليس يريد حرمانهم من الشكر والقعود بينهم وبينه. 10- وصف الله الشاكرين بأنهم قليل من عباده (( وقليل من عبادي الشكور ) )، وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع رجلاً يقول: [اللهم اجعلني من الأقلين] فقال ما هذا؟ قال: [ يا أمير المؤمنين: الله تعالى يقول (( وما آمن معه إلا قليل ) )ويقول (( وقليل من عبادي الشكور ) )ويقول (( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم ) )] قال عمر: صدقت..!!، وإذا كان الشكر من صفات الأنبياء والمؤمنين فإنه ليس كذلك عند كل الناس فإن كثيراً منهم يتمتعون بالنعم ولا يشكرونها. 11- أثنى الله على أول رسول بعثه إلى أهل الأرض بالشكر وهو نوح عليه السلام (( ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبداً شكوراً ) )إشارة إلى الاقتداء به. 12- أخبر الله أنه يعبده من شكره وأن من لم يشكره فإنه ليس من أهل عبادته: (( واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون ) ). 13- أمر سبحانه وتعالى عبده موسى أن يتلقى ما آتاه من النبوة والرسالة والتكليم بالشكر (( يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين ) ). 14- أول وصية أوصى بها الإنسان بعدما عقل