فهرس الكتاب

الصفحة 18958 من 27364

الكاتب: عباد

تأملات: الإلحاد العاطفي، الإلحاد المادي والإلحاد العقلي

هذه تأملات وأفكار تكونت لدي من خلال قراءتي لبعض المداخلات في نادي الفكر العربي وأحببت أن أشارككم بها واقرأ آرائكم وتعليقاتكم - وما مدى صحة هذه الآراء على أرض الواقع - أرجو المشاركة من الجميع وخصوصاً السادة المعنيين بالموضوع.

هناك فيما يبدو ثلاثة أنواع (أو ثلاثة حالات) من الإلحاد تبينت لي لدى قراءتي مواضيع كثيرة من المنتدى - ولا يعني هذا بالضرورة أنها تمثل ثلاثة أنواع من الناس بل ربما يوجد هناك من لديه أكثر من نوع واحد في نفس الوقت، كما لا يعني أنه مقتصر على هذه الأنواع، وهذه الأنواع هي:

الإلحاد العاطفي - الانفعالي

الإلحاد النفعي - المادي أو البراجماتي

الإلحاد العقلي - العلمي

وسأبدأ بالنوع الأول من الإلحاد

الإلحاد العاطفي - الانفعالي:

هذا النوع من الإلحاد يتكون لدى أناس تعرضوا لأزمة أو موقف عاصف في حياتهم - أو كفروا بوجود الخالق بناء على قضية ما أثارتهم وأثرت فيهم - يتكون لديهم شعور بالغضب والسخط على هذا الأمر ويجدون أنه ليس عادلاً وأن من حولهم ممن يذكرون إيماناً بالخالق يكذبون ويستخدمون هذه التبريرات زوراً وادعاءً - وأن الخالق من جملة الخرافات والأوهام التي يسعى الأقوياء بواسطتها إلى السيطرة وبسط النفوذ على الآخرين

إن السمة الرئيسية لهذا الإلحاد هي سيطرة مشاعر الرفض والغضب والشعور بالمرارة - وربما يخفي الملحد ذلك الشعور تحت ستار من السخرية والنرجسية والاستعلاء فلا يظهر الغضب في سلوكه ولكنه ينقلب إلى سخرية وهزء بالآخرين واستعلاء عليهم

من علامات الإلحاد العاطفي أن يقول الشخص:

-العذر الوحيد لله (عن هذه المصائب التي تحصل) أنه غير موجود

-لو كان الله موجوداً فهو يجب أن يدخل النار (أو من يمثله من رجال الدين المنافقين)

-ليست هناك عدالة بين البشر وهم يخدعونني إذا ادعوا عدالة السماء

-العدالة حلم الضعفاء - والدين - نعم الدين - يصنعه الأقوياء

وهذا الكلام يحمل في طياته اعتراضا انفعالياً وعاطفياً وليس عقلياً بحال من الأحوال - فالشخص الذي حصل له أمر سيئ أو رأى هذا الأمر يحصل لغيره يقول:

-كيف يحصل هذا الأمر إذا كان الإله موجوداً؟

-أليس من حولي يقولون أن الإله عادل؟

-كيف يدع هذا الأمر يحصل بدون أن يتدخل؟

-يجب عليه إن كان موجوداً أن يتدخل..

-ما هذا الإله الظالم الذي يستحق العقاب ..

-كيف يكون الله إلى جانب رجل الدين المنافق والسارق والمحتال ولا يكون إلى جانبي أنا المسكين؟

ومن هنا يبدأ الغضب الداخلي بالتراكم حتى يصل بالشخص إلى حالة نفسية قاسية ويجد هذا الإله سداً أمام تفكيره وسلوكه فيرفض فكرة وجوده لأنه يصل إلى نتيجة داخلية مفادها أن اللوم لا يجدي وأنه مضطر للخروج من دوامة السلبية والسخط التي هو فيها إلى الواقع والفعل الإيجابي وأنه مضطر أن يعتمد على ذاته وأن ينسى لوم الإله وبالتالي ينكر وجوده ويعتبره خرافة

الباعث لذلك كله هو الانفعال والعاطفة وعجز التبرير الواقعي لما يحصل

وجوابي الشخصي على ذلك:

منذ وجود الإنسان العاقل المفكر وقبل وجوده - لم يكن واقع الدنيا يجري على هواه بحال من الأحوال ولم تكن الدنيا جنة تتحقق فيها أمنياته - أو على الأقل يعيش فيها بسلام حياة نباتية أو مادية بلا منغصات - وذلك بسبب طبيعة تكوينه وحاجاته وارتباطه ببيئة محيطة واسعة تتسع كلما زاد إدراكاً وتطوراً ويزداد اعتماده عليها وتكثر متطلباته طردا بزيادة معرفته

من مزايا الإنسان العاقل تطور تفكيره وقدرته على إيجاد مخرج من الأزمات التي يواجهها - وحتى في المجتمعات البدائية فهناك أنماط من التفكير تستطيع استخدام المواد الموجودة في البيئة المحيطة لتلبية متطلبات هذا الإنسان

ولكن:

لماذا يحصل ذلك لدى الإنسان فقط وتحديداً؟ ما هذه المتطلبات التي كلما لبي جزء منها تفاقمت في ازدياد؟ لماذا يوجد الألم والعذاب، والإحساس بألم الآخرين، والضيق النفسي، والشعور بالوحدة للإنسان المنعزل ولو لبيت كل حاجاته المادية؟ والشعور بالظلم؟ الذاكرة طويلة الأمد؟ ولماذا توجد عقبات ومنغصات تجبر الإنسان على العمل والجهد والبحث عن حل؟ وتجبره على التفكير؟ هذا هو السؤال الذي لا يسأله الملحد العاطفي لنفسه - لأن جوابه الوحيد أن هذا جزء من تكوين الإنسان وبنيته التي امتاز بها عن بقية الكائنات - وهذا سر تقدمه وامتلاكه لزمام قيادة الدنيا دونا عن الباقين. والتأمل في هذا الجواب يدفعه لأن يقر بأن هناك تنظيماً محكماً للكون أوجده الله ووضع الإنسان على قمته - فمعجزة الخلق ومعجزة الإنسان تشهدان على الصانع وأن هذا الصانع واحد لا شريك له فلو كان هناك شركاء لصنع كل منهم خلقاً مختلفاً عن سواه ولعلى بعضهم على بعض - وهذا يجبره أن يعود إلى الإله الذي رفضه من قبل وتمرد عليه - وهذا يعني استسلامه وتراجعه عن الغضب الدفين وعن الأفكار الكئيبة المسيطرة عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت