فهرس الكتاب

الصفحة 18959 من 27364

ولذلك فكثير من الملحدين يحاول بعد تورطه في الإلحاد أن يجد أي مبرر علمي أو اجتماعي أو مادي ليهزأ بهذا الإله ويرفضه لأنه يرى أن البديل المقابل مذل له - وهو الاعتراف بالخطأ والتراجع عنه - ويرى أن كيانه الاجتماعي والصورة المتميزة التي بناها لنفسه كملحد ستنهار في أعين من يعرفونه أو في عينه هو شخصياً فيتشبث بكل مبررات هذا الوجود الاجتماعي - وأول هذه المبررات خصومته مع الدين ومخالفته له.

الإلحاد المادي - النفعي:

وربما يسميه البعض: البراجماتية. وهو أن ينكر الشخص وجود الإله في سبيل مصلحة مادية يرى أنها تتحقق له بذلك أو إذا شعر أن وجود الإله عقبة أمام إحدى غاياته، أو أمام غايات متعددة يرى أن أقصر طريق لحلها هو الإلحاد.

هناك أمثلة كثيرة على هذا الإلحاد تتمثل في مواقف متتبعيه من التشريعات والقوانين التي

جاءت بها الأديان السماوية

-كموقف الملحد من الحاجة المادية وتوزيع الثروة إذا كانت له غايات مالية

-وموقفه من التشريعات الاجتماعية المتعلقة بالزواج إذا كانت له غايات إباحية

-وموقفه الرافض لعبادة أي شيء إذا كان لديه كبرياء ذاتية تمنعه من ذلك وتمنعه من السجود

-وموقفه من الأشخاص المتبعين للأديان الذين يكونون في غالبيتهم من طبقة فقيرة أو متوسطة عندما ينظر إليهم بازدراء وعدم إرادته الاختلاط بطبقتهم - وربطه لواقع الفقر بالدين ورفضه لذلك الواقع.

-وربطه الدين ببعض الأشخاص المتدينين الوصوليين وممارساتهم الخاطئة خاصة إذا كان في دينهم تحريف وأشياء مغلوطة فيرفضهم ويرفض أن يصنف بينهم ويرفض معهم فكرة وجود الإله.

-وإذا كانت العائلة أو البيئة التي ينتمي إليها ملحدة فيتبعها وينخرط في وسطها الاجتماعي

-أو كانت تتبع أفكاراً دينية شديدة الشذوذ واللاعقلانية وكان يريد أن يخرج من ذلك الجو بدون أن يتبع أي دين آخر بسبب خوفه من عائلته وخوفه من تهمة الخيانة لهم والانقلاب عليهم والذهاب إلى الدين الذي يصنف على أنه خصم لهم. يدخل هنا العامل النفسي الذي يقول:"ما حدش أحسن من حد - كله زي بعضه"

-وتعرف الشخص على مجموعة من الناس تعده بالكثير إن هو انضوى تحتها وكون هذه المجموعة ملحدة

-ووجود الشخص في بلد ملحد وخوفه من السلطات الملحدة واضطراره للسير في فلكها.

وأسباب أخرى كثيرة - أرجو من الأخوة والأساتذة المعنيين المشاركة لإغنائها ومناقشتها.

والملحد المادي شأنه شأن الملحد العاطفي يبحث دوماً عن مبررات علمية لما يقول ويفعل - ويتخذ الكبر والسخرية والهزء بالآخرين وسيلة لهذه التبريرات - وهذه السخرية هي سلاحه الأمضى والذي يحاول أن يجابه به خصومه بحيث يرهقهم ويشوشهم بسخريته قبل أن يطرح نظريته سواء كان على حق أو لا- وعندما يطرح تبريره للإلحاد يستخدم سلاح السخرية للدفاع عن المنظومة الفكرية التي اخترعها وتغطية عيوبها فيكرر خطأه الأول في تنفير الناس منه وتجنبهم له إلا من سار على دربه وقبلت نفسه أن يتخذ الكبر والهزء وسيلة يعتاش بها.

وجوابي الشخصي على ذلك:

إن هذه الطريق القصيرة التي تختارونها قد تكون مهرباً آنياً من التزامات كثيرة وتحديات مفروضة على الإنسان العاقل - وهذه الطريق الكسولة وما يتبعها من نتائج غير منظورة في المدى القريب أدت في الماضي إلى أزمات كثيرة بلغت مبلغ الكارثة على المدى الطويل عند تطبيقها في الواقع العملي أو أنها سائرة في هذا الطريق الذي يزداد انحداراً كلما تقدم فيه الإنسان. والأدلة كثيرة لا أملك تعدادها الآن - وسأوردها فيما بعد إن شاء الله.

الإلحاد العلمي - العقلي:

وهو الإلحاد الناشئ عن قناعة علمية معينة تتناقض مع مقولات دين من الأديان - خصوصاً إذا جعل ذلك الدين مقولاته تلك من أولوياته أو قواعده الراسخة التي يبني عليها عقيدته وتشريعاته ونظرته للكون

تطور هذا النوع في أوروبا في عصر النهضة بسبب قمع الهيئات الدينية للعلم وغضبها على العلماء - وهو وإن لم يكن في البداية إلحاداً كاملاً فقد كان تناقضات مع مقولات الكنيسة جاء به كوبرنيكوس وغاليليو وغيرهم من العلماء وأدى إلى وقوع الخلاف والقطيعة بين الهيئات الدينية والعلماء حتى الوصول إلى مرحلة إلحاد اللا عودة عند كثير من العلماء

ترافق هذا الإلحاد مع إلحاد عاطفي ناشئ عن الاضطهاد، والعاطفة المحركة لهذا الإلحاد هي الغضب ورفض الخرافة. ورفض الخرافة كان يعني لديهم رفض معتنقيها ورفض كل ما جاءوا به جملة وتفصيلاً ومن ذلك وجود الإله الذي يتخذونه ذريعة وسبباً للسيطرة حتى على العلوم والتطور - ورغم ما في هذا الرفض من تناقض مع العلم ومع المكتشفات العلمية الحديثة ودقة نظام الكون التي تثبت وجود خالق منسق لأموره، فقد فضلوا أن يعزوا هذا الأمر للطبيعة والصدفة لأن مواصفات الخالق المذكورة لدى تلك المجامع الدينية لم تكن تتسق مع الواقع الملموس وحوت قدراً لا بأس به من الشعوذات والخرافات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت