فهرس الكتاب

الصفحة 18960 من 27364

وباستمرارية تطور هذه الفلسفة الإلحادية ظهرت المادية الجدلية والمادية التاريخية التي قدمت نظرية بديلة عن الدين في النظام الاجتماعي والمادي وقدمت منظومة مختلفة من الأخلاق والسلوك طبقت في الدول التي اتخذت منها فيما بعد بديلاً عن المنظومة الدينية - وسعت هذه الدول إلى تبرير الإلحاد والدفع في أي اتجاه علمي يثبت المقولات الملحدة - شأنها في ذلك شأن الدول التي سعت لإثبات عكس هذه المقولات فماذا كانت النتيجة؟؟

كانت النتيجة أن تطور العلم لدى المنظومتين أدى إلى رفض نظرية الصدفة علمياً، والاعتراف بوجود قوة منسقة ومحركة للكون أسماها الملحدون الشرقيون بقوة الطبيعة - وعزاها العلماء الغربيون لخالق مدبر للكون

وظل قسم كبير من الملحدين العاطفيين والماديين مصرين على تتالي الصدف في تبرير وجود الكون وخلقه، وظلوا يبحثون عن كل ما من شأنه أن يبرر إلحادهم وينكرون ويسخرون من كل ما لا يوافق ذلك

ما موقع المسلمين من ذلك كله؟

شهدت القرون الأخيرة من الألفية الثانية تراجعاً كبيراً في مستوى العلم والثقافة لدى الأمة الإسلامية، وشهدت في الواقع انتشاراً للجهل والتخلف ويعزى ذلك لأسباب كثيرة أهمها عدم عناية الدولة والسلطات الحاكمة بهذا النوع من العلوم وتفضيل هذه السلطات لدعم منظومة الأفكار والعلوم السائدة والمتشكلة وفقاً لهواها والتي تضمن ولاء المجتمع وطاعته العمياء كائناً من كان الحاكم، وترسيخ الجهل والتخلف عن قصد أو غير قصد، وعدم الاكتراث بتطور المجتمعات المحكومة كون الحكام لا ينتمون إلى هذا الشعب كالأجيال الأخيرة من المماليك والأجيال الأخيرة من الترك. وكانت هذه سمة القرون الوسطى المشتركة لدى كل الشعوب في العالم آنئذ.

وبالرغم من أن هذا الأمر ليس من الدين والإسلام في شيء إلا أن الأفكار التي تضمن التسلط أقحمت في الدين وصبغت بصبغته واعتبر الخارجون عليها خارجون عن الدين - ومع ذلك فقد ظهر دعاة التنوير من العلماء المسلمين في العالم العربي والإسلامي وخصوصاً في مصر إبان حكم محمد علي وإرساله البعثات الطلابية إلى أوروبا - وفي بلاد الشام أيضاً - وكانت غالبيتهم العظمى من خريجي المؤسسات العلمية الموجودة آنذاك والتي كانت ذات نظرة دينية معتدلة لا تهمل الدين ولا تعبد الحاكم رغم تمويله لها - ولكن كان الفرق شاسعاً في تطور العلوم بين مصر وأوروبا

كان بعض العائدين من هذه البعثات يصطدمون بواقع التخلف في مجتمعاتهم ويشعرون بالعجز عن فعل أي شيء إيجابي وهذا ما أدى إلى نمو عقدة النقص وسوء تقدير الذات وتفاقمها ورفض الواقع المتخلف للمجتمع - وبالتالي فقد صارت هذه العقدة منبعاً للتكبر على المجتمع ورفض الواقع والثورة عليه، وكانوا يربطون هذا الواقع بالدين وبالله مما أدى إلى وقوعهم في الإلحاد العاطفي وكان هؤلاء وبالاً على مجتمعاتهم لأنهم وقعوا في العبودية الفكرية لمعلميهم الأوروبيين وشعروا أنهم أسرى لعقدة نقص لا مهرب منها إلا بتبرؤهم من مجتمعهم ودينهم وكل ما يربطهم بالواقع.

واستمرت مدارس الفكر الإلحادي تحت تأثير عقدة النقص - تسعى في كل اتجاه وتستقرئ كل ثقافة إلحادية يفرزها الشرق أو الغرب ما دام صانعيها على درجة من الرقي المادي أو التطور التقني، فبعضهم تشرب الفكر الماركسي والشرقي وبعضهم تشرب الفكر الوجودي وغير ذلك من الأفكار - ولم يحاول أي منها الاستقلال والبحث عن منظومة فكرية توافق مجتمعه سوى بعض المحاولات القومية التي بحثت عن نظرية تكون حلاً وسطاً بين هذه المذاهب الفكرية والمجتمع المحلي ولكنها بقيت في اللاوعي حبيسة الفكر الشرقي الاستبدادي ونظرته إلى الحاكم وإضفاء طابع القداسة على القائد الملهم، وكانت حصيلتها ترسيخاً للتخلف بثوب علماني وترسيخاً لعقدة النقص والمذلة - والمكابرة على ذلك.

وجوابي الشخصي على ذلك:

لا أريد في هذا الموضع أن أناقش في البديهيات لدي وهي وجود خالق ومدبر للكون - وكون هذا الخالق حياً فاعلاً قادراً وإرساله الرسل وخاتمهم النبي الأمي سيدنامحمد صلى الله عليه وسلم ، وصدق ما جاء به النبي والأنبياء من قبله. وسبب عدم مناقشتي في ذلك توقعي أن يستخدم الملحدين العاطفيين والماديين سلاحهم المعتاد وهو السخرية وبذاءة اللسان - واعذروني إن قلت ذلك ولكن هذا ما وجدته في تجارب سابقة كثيرة معهم - فهم يرون في وجود الخالق والأنبياء إنكاراً لوجودهم وكيانهم. أريد هنا أن أناقش الإلحاد ومقولاته وأركانه الفكرية. وأن أستقرئ ىراء جميع الأطراف في نظرتي المذكورة أعلاه.

لا شك أن الدين الصحيح من خالق الكون يجب أن يكون سليماً من الأخطاء المناقضة لواقع الحقيقة المطلقة - ولا أقول للواقع المحسوس او الملموس لأن حواس الإنسان وعلمه محدودين - وهو ما زال يكتشف الجديد يوماً بيوم ووجود التناقض بين الدين والواقع المحسوس يعزى إلى أحد الأسباب التالية:

-دخول تحريف في المعلومات الدينية عبر العصور (مثل تسطيح الأرض)

-قصور العلم عن فهم بعض الظواهر العلمية التي أوجدها الخالق

-الافتراضات العلمية المبنية على ملاحظات غير دقيقة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت