عبد الله الهذلول 5/3/1428
تشكل الهموم الثقافية ـ بجميع أطيافها وأصعدتها ـ أهمية بالغة لدى صُنّاع القرار وعقلاء المجتمعات، وهذه الأهمية مطلب إذا لم تجاوز حد المعقول من الاهتمام والحساسية، وفي كل مرحلة تاريخية للثقافة العربية والإسلامية تظهر مشكلة أقرب ما تكون إلى الأزمة. . تتعالى فيها الأصوات وتُقطع العلاقات، وتنتهي بالاتهام في صدق الانتماءات، ومن تلك الموضات الثقافية (الانفتاح الثقافي) كمجال للبحث والرأي. . والخصومة!
لقد مثل نموذج (أمتهوّكون فيها يا ابن الخطاب، لقد جئتكم بها بيضاء نقية. .) السد الأمنع لدى قطاع عريض من مثقفي الأمة في وجه الانفتاح على الثقافات الأخرى، وهو لو صح [ ففي إسناده مجالد بن سعيد، انظره في المسند ( 15156 ) بتحقيق: الأرناؤوط ] . . لو صح فإنه محمول ـ كما قال بعض أهل العلم ـ على أنه في مرحلة التأسيس والتكوين للعقيدة والملة، فلا ينبغي أن يشوش على الأمة في تلك المرحلة، أمَّا إذا رسخ أساسها، وقوي بنيانها، وعُلمت شرائعها، وأُقيمت فرائضها، فإنَّ الحال كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ـ وهو أصح ـ، أخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيقرأ الكتابين التوراة والقرآن. . كتأويل لرؤيا رآها كأن في أحد أصبعيه سمناً وفي الآخر عسلاً [المسند (7067) ] ، وهذا ما جرت عليه الأمة في أول الأمر وأوسطه وآخره ـ إلاّ عند أقلية ـ.
وفي المقابل يمثل نموذج (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) . . ورقة قوية في الحث على الاطلاع على الثقافات الأخرى. . بل والتعامل الراقي معها، وإباحة نقلها ونشرها. . كما يُصور الخلاف الأصولي في"حكم العمل بشرع من قبلنا"نموذجًا للتسامح الحضاري الثقافي بين الأديان وأخذ ما يفيدنا مما سلم نقله إلينا، في حين يتحسس كثيرون من الاطلاع على ثقافة المخالف داخل الملة!
يمثل شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ عند كثيرٍ من المسلمين في هذا العصر مرجعاً في علوم الشريعة، وهو إمام بلا شك في سائر فروعها، والمطالع لسيرة ابن تيمية الشمولية يجد أنه ـ رحمه الله ـ كانَ واسع النظر عند بحثه وتدريسه، واسع النظر ـ أيضًا ـ ومطيلاً له في كتب خصومه، عارفًا بما عندهم، عالمًا بما يخالفهم. .
وأول ما يطالعه الباحث في انفتاح ابن تيمية الثقافي هو: انفتاحه داخل النسق الثقافي في موسوعيته الشاملة للعلوم، فهو المفسر والمحدث والعالم بالعقائد والفقيه والأصولي والناظم للشعر والفيلسوف والباحث والفلكي والسياسي والمؤرخ ـ وهذا جانب لم يشتهر به، ولكن بعض المؤرخين وصفوه به كالذهبي ـ والنحوي ـ وقد استشهد بكلامه ابن هشام وجمُعت آراؤه النحوية في كتاب ـ . . ومع ذلك فهو في الغالب متميز في جميع الفنون، حتى يظن المطالع لفرع من علومه أنه متخصص في هذا الفن أو أنه في أحسن الأحوال أجود ما لديه من الفنون ـ وقد يكون كذلك ـ ولكنه في الغالب يصدم عندما يرى النفس نفسه أو أجودَ منه في الفنون الأخرى.
وعلى سبيل الانفتاح خارج النسق الثقافي تتعدد الصور. . ففي العقيدة: اطلع على موروث كثير من الفرق المعاصرة له وحاورها وجادلها، في كثيرٍ من الأحيان بأدواتها كالمعتزلة وأهل الكلام حينما درس علم الكلام والفلسفة، ثم أصبح يضرب أصولهم ببعضها، ويشكل على أصولهم من خلال فروعهم وتطبيقاتهم كما في درء تعارض العقل والنقل، فأتى على بنيانهم من الأساس، ولم يناقشهم ـ كما يفعل البعض ـ من خلال قواطع لا يؤمنونَ بها أصلاً، وقد سار على تلك الطريقة مع: النصارى في الجواب الصحيح، ومع الجهمية في بيان تلبيس الجهمية، ومع الأشاعرة والمتصوفة والشيعة والخوارج والمرجئة وسائر المخالفين. . وبالجملة فإنَّ ابن تيمية سلفي لا بالتقليد وإنما بالبحث والتنقيب.
وفي الفقه: اطلع على فقه الإمام أبي حنيفة ومدرسة الرأي، وفقه الإمام مالك ومدرسة الأثر، ثم عرج على أصول الشافعي، وخلص إلى آراء ـ وإن وافقت في كثير منها آراء الحنابلة ـ إلاّ أنها منطلقة من نظر بين مدرستي الرأي والأثر، حتى اشتهر عنه تقسيمه للمذاهب الفقهية وتميزها على كتب وأبواب الفقه. . وهذا نتيجة ـ بالتأكيد ـ لدراسة فاحصة لها.
وفي مجال التفسير يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عن نفسه أنه يطالع قبلَ تفسير الآية أكثر من مئة تفسير، ثم يخلص إلى نتيجة قد لا تكون موجودة فيها، وإنما خلص إليها من جمعه للمرويات ونظره في الآراء والاتجاهات. . ومن البدهي أن هذه التفاسير المئة ليست كلها على كفِّ مساواة في المعتقد وطريق النظر والتفسير العقلي منها والنقلي.