الإسلام وإدارة الحزب الحر أيضاً.
نفطة:
ولم تتخلف نفطة عما قام به أهل قفصة وتوزر بل كان فيها ما كان في جارتيها أيضاً من مظاهر الاحتجاج والاستنكار.
وأرسل أهالي المناوي. ودقاش. والحامة. والمطوية، وقابس. وجربة، ورأس الجبل، وعوسجة، والعالية، وغار الملخ، وحاجب العيون، وأبة كسور، والقليبية، ومنزل تميم، ودار شعبان وغيرها من أمثالها من البلدان عرائض وبرقيات الاحتجاج الممضاة من طبقات سكانها فكان لها الوقع العظيم.
سوسة:
وفي صبيحة الثلاثاء 23 ذي الحجة 1351 أصبحت عاصمة الساحل (سوسة) مضربة عن العمل مغلقة دكاكينها وبكر الناس فيها إلى جامعها الكبير، وبعد أداء فريضة الصبح أخذ المصلون في تكرار اسمه - تعالى - »اللطيف« ثم خرجوا من الجامع الكبير في مظاهرة عجت بها أكبر شوارع هذه العاصمة، وسارت المظاهرة بين هتاف الرجال وولولة النساء والمناداة بسقوط الفتوى والتجنس وبحياة وبقاء الجنسية العربية التونسية، وقصد المتظاهرون دار عامل البلدة ومراقبها المدني حيث تقدمت لجنة منهم إلى كل من العامل والمراقب وسلمته عرائض الاحتجاج وتلت على مسامعه خطاباً مؤثراً في الموضوع. وقد أحيطت هذه الجموع بجيوش جرارة من العساكر شاكي السلاح وكذلك البوليس والدرك وقد حاولت هذه القوات تفريق الجماهير المحتشدة ولكن بدون جدوى وبقيت البلدة على هذه الحال إلى آخر النهار.
مساكن:
وكان على أثر مظاهرة سوسة قام سكان بلد (مساكن) بمظاهرة كبيرة واجتماع في جامع البلدة وقدموا عرائض احتجاجهم لخليفة العامل عندهم ووقع الإضراب عن العمل كامل اليوم أيضاً.
القلعة الكبيرة:
تظاهر سكان (القلعة الكبيرة) من الغد أيضاً وأضربوا عن العمل وأبلغوا عرائض احتجاجهم إلى خليفة العامل ببلدتهم أيضاً.
المكنين وقصر هلال:
اجتمع من الغد سكان هاتين البلدتين المتجاورتين، وقاموا بمظاهرة كبيرة خطب فيها الخطباء بما يناسب الموضوع وسلموا عرائض احتجاجهم إلى العامل هناك.
وقد أيدت بلدان الساحل هذه في احتجاجاتها صفاقص والقلعة الصغيرة وأكودة وحماد سوسة والصبيبة والمنستير والساحلين وطبلبة ولمعلة وقصور الساف وطبربة ومجاز الباب والكريب وسليانة.
وبالجملة فإنه لم يبق بلد من بلدان المملكة لم يحتج ضد هذا الصنيع وأصبحت البلاد على أشد حالة من الاضطراب والقلق خصوصاً عند ما قابلت الحكومة مظاهرات الشعب السلمية الهادئة بالجند والسلاح.
المحاكمات:
أول محاكمة هي التي أحيل فيها 17 رجلاً من المتظاهرين بتونس على المحاكم التونسية وتطوع بالدفاع عنهم الأساتذة صالح فرحات الكاتب العام الثاني للحزب والطيب الجميل العضو الأول بلجنة الحزب، فأطلق سراحهم وحكم عليهم بغرامات مالية تتراوح بين المائة والمائة والخمسين فرنكاً من مصاريف نشر الدعوة.
تم محاكمة الذين أحيلوا على المحكمة الفرنسية لتضاربهم مع ضباط الجند وجرح البعض منهم وهؤلاء ناضل عنهم الأساتذة الطيب الجميل المذكور والطاهر صفر ومحمد بورقيبة وعز الدين الشريف. وقد وقعت مشادة بين المدعي العمومي والأستاذ صفر كادت تؤول إلى ما لا تحمد عقباه، لأن الأستاذ صفر قال أن رجال الحكومة من جند وبوليس وغيرهم هم المعتدون لا هؤلاء العزل المسالمون الذين جئتم بهم إلى هنا، فصاح المدعي العمومي إنك تتهم الحكومة وقد أقسمت اليمين على احترامها عندما رخص لك في المحاماة، فأجابه: إنما أقسمت على احترام العدل والحق لا الحكومة، وعندها صاح المدعي العمومي مستنجداً بالرئيس أن يسكت هذا المحامي، فصاح الرئيس: إني أمنعك من الكلام إن سرت على هذا الأسلوب في المرافعة، فقال الأستاذ صفر عضو اللجنة التنفيذية للحزب: إن مهمتي هي الدفاع وإن القانون يعترف بوجود معتد ومعتدى عليه والمعتدي هنا هو الحكومة في نظري فيجب أن أقلب الدعوى عليها بفائدة الموكل المعتدى عليه حتى يتضح الحكم وينزل العدل منزلته وكلنا يحترم العدالة، واستمر الأستاذ في مرافعته وتلاه الآخرون ولم يفسد هذا الجو إلا مرافعة أحد المحامين المسمى محمد علي بن مصطفى بن خير الله ابن مصطفى الذي لعبت فرنسا على يده وبواسطته والوزير الجلولي سابقاً ذلك الدور الذي آل إلى استفتاء الباي محمد الناصر - رحمه الله - وأخ الشاذلي خير الله الذي كان في صفوف الوطنيين ثم لعبت به أيدي أذناب الحكومة فرموا به في هوة الخروج عن الحركة الوطنية وطعنها في الصميم. وقف هذا الأرعن مدافعاً عن أحد المتهمين فقال: إني أخجل من الوقوف أمامكم أيها السادة مدافعاً عن هؤلاء الذين آذوا سمعة فرنسا في جنسيتها، وإنما أقول لكم أنهم بسطاء دفعهم آخرون إلى هذا الاجرام وأرجو أن لا يتكرر هذا العدوان بين من تقلدوا جنسيتكم وبقوا على ديننا... الخ. فامتعض من هذه المرافعة حتى اليهود والافرنج الذين حضروها وكان لها الوقع السيء لدى كافة التونسيين.