فهرس الكتاب

الصفحة 3424 من 27364

د. نهى قاطرجي

رمضان جديد يطل على أمة الإسلام وأهل الإسلام في مزيد من التقهقر والانقسام نتيجة الأحداث السياسية الجارية في العالم، فبين فريق مؤيد للقوى الدولية التي تفرض نفسها إلهاً جديداً على الدول والشعوب تحكمهم وتخضعهم لسياساتها وتتدخل في شئونهم الداخلية، وبين فريق آخر رافض لسياسة الذل والمهانة وما يتبع ذلك من إلغاء للشخصية الإسلامية الحرة التي لا تؤمن إلا بوجود رب واحد يحكم هذا الكون وفق دستور وسنن ثابتة.

وفي ظل هذا التناقض تفكرت في رمضان هذا العام ورأيت فيه معانٍ جديدة لم تظهر لي سابقاً، ورأيت في هذا الشهر خطاباً جديداً متحدياً يمكن أن يستنبط منه إثبات جديد على وحدانية الخالق ونفاذ حكمه على العالم الذي أوجده.

وخطاب التحدي هذا لا ينحصر في رمضان وحده بل يمكن للمتفكر أن يلحظه في كل العبادات على الإطلاق، وإن كان في رمضان أكثر وضوحاً، فإذا تفكرنا في الحج مثلاً نجد في مظاهر الانقياد والأخوة والتعاون لإرادة الله - سبحانه و تعالى - تحدياً للعولمة التي تدعو إلى الفردية ونبذ الآخر، إلا أن هذا التعاون لا نلمسه عند المسلمين كافة وذلك لكون هذه العبادة غير مفروضة إلا على من استطاع إليها سبيلاً.

أما عبادة الصوم في رمضان فإنها تتميز بتنوع العبادة وشموليتها، ويتجلى هذه التنوع بصيام الليل وقيام النهار والصدقة والتعاون وغير ذلك مما سيتم الحديث عنه لاحقاً إن شاء الله - تعالى -، كما تتجلى الشمولية في قدرة هذا الشهر على توحيد المسلمين في أنحاء العالم كافة، وتجديد ولائهم، حتى العصاة منهم، لله الواحد مثبتين بذلك عالمية الإسلام التي لا يمكن أن ينافسه فيها أية عقيدة أو فكر بشري مهما بلغت درجة رقيها وتقدمها.

من هنا جاءت خواطري هذه حول كيفية تحدي رمضان للعولمة.

ففي رمضان إثبات لحاكمية الله - سبحانه و- تعالى - على العباد، فالمسلم في هذا الشهر يجدد انتماءه لله الواحد القهار، الحاكم بأمره، السّان لكافة القوانين الدنيوية والأخروية، المرتكزة على قاعدتي الطاعة والعبادة، لقوله - تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون) ، الذاريات: 56-57، والمبنية على حرية الاختيار التي لا تحرم المختار حقه في التمتع بالحياة الدنيوية مع تحمله لما يترتب على ذلك من ثواب وجزاء وذلك على القاعدة المستقاة من قوله - تعالى: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) : البقرة: 256.

وهذا الأمر هو على نقيض حاكمية العولمة التي تفرض سيطرتها على الإنسان بالقوة والإكراه، فارضة عليه طاعة قوانين وضعية لا تؤمن له أدنى مستويات العيش الكريم من جهة، وتساعد غيره على إحكام سيطرته على موارده البشرية والمادية من جهة أخرى، وذلك دون أي مقابل لهذه الطاعة اللّهم إلا مزيداً من الانكسار والذل والحرمان.

وفي رمضان أيضاً تحد كبير للعولمة الفكرية التي تبث أفكاراً غربية تروج لفكرة التمتع بالشهوات المادية والجسدية دون أية ضوابط أو تحمل للمسئولية، مدّعين أن إطلاق العنان للشهوات يساعد على حصول الإنسان على حريته وسعادته، في حين أن الصوم يثبت أن السعادة والحرية الحقيقيتين لا تكون بالتمتع بالشهوات بل في الترفع عنها، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال:"ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يُقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، و ثلث لشرابه، وثلث لنَفَسه"، رواه الترمذي.

لهذا جاءت أقوال بعض العلماء في الماضي والحاضر تؤكد على أن السعادة ليست في التمتع بالشهوات وإنما في ضبطها ووضعها الموضع الصحيح الذي لا يحط من إنسانية الإنسان، فقد قال أحد علماء الإسلام:"إن السعادة كلها في أن يملك الرجل نفسه، والشقاوة في أن تملكه نفسه". وأكبر دليل معاصر على عدم وجود ترابط بين المادة والسعادة ما أشار إليه أحد علماء الغرب وهو"روبرت رايت الباحث في جامعة بنسلفانيا"من أنه لا تلازم بين مسار المال والرخاء المادي مع السعادة،إذ تبين أن الدول الفقيرة أكثر سعادة من الدول الغنية التي تتمتع بكل أسباب الرفاه المادي.

وفي رمضان أيضاً تحد كبير للعولمة الاقتصادية التي تسعى لفرض نظام موحد قائم على الفردية ونبذ الآخر وإغراقه بالديون والضرائب التي تزيده تبعية وفقراً في الوقت نفسه الذي تزيده هو استغلالاً وغنى، وهذا الكلام ينطبق مع الفكرة"الأساسية للرأسمالية التي تقوم على القول بأنه من لا يستطيع كسب قوته ينبغي أن يموت!!! وهناك أصوات في الغرب الاقتصادي تنادى بأن المليار من فقراء العالم الثالث، كما يطلق على المجتمعات ذات الاقتصاد المتخلف، زائدون عن الحاجة لذا يجب الخلاص منهم لأن البقاء هو للأقوى".

لهذا جاء الصوم في هذا الشهر لينقد هذه النظرية وليثبت حق الفقير بمال الغني إن كان عن طريق الصدقة أو عن طريق الزكاة، فقال - تعالى: (وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) ، الذاريات، آية 19. وقال أيضاً: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) ،التوبة، 103.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت