فهرس الكتاب

الصفحة 3425 من 27364

هذا ويوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المسؤولية التي تقع على عاتق المؤمن بتوجيهه للمؤمن أن يتصدق بفضل ماله على أخيه، فقال صلى الله عليه وسلم:"من كان معه فضل ظَهر فليَعُد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل من زاد، فليعد به على من لا زاد له"رواه مسلم.

وإذا كان هذا الحكم عاماً في كل الأوقات فهو أشد رسوخاً في شهر رمضان حيث تكثر فيه الأحاديث التي تشجع على إفطار الصائم والتصدق على الفقراء والمساكين، وقد ورد في السنة النبوية الشريفة عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جواداً وكان أجود ما يكون في رمضان، وكان يأتيه جبريل فيتدارسان القرآن، فلَرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة"، رواه البخاري.

هذا من ناحية الصدقة وإطعام الفقير والسكين، أما بالنسبة للزكاة فإن في قيام كثير من المسلمين بأداء فريضة الزكاة في مثل هذا الوقت من كل عام مساهمة في رفع الضيم عن الفقير وابن السبيل ومساهمة في إعمار وتنشيط بعض المرافق الضرورية من أجل رفع مستوى حياة المسلم وإشعاره بإنسانيته.

وفي رمضان أيضاً تحد آخر للعولمة الاجتماعية التي تسعى إلى عزل الإنسان عن أسرته ومجتمعه، فيأتي الاجتماع العائلي على الطعام ليوحّد العائلة المفتتة من جديد، وليظهر تمسك المسلم بنظامه الاجتماعي القائم على حب أفراد العائلة لبعضهم البعض، وسعيهم لمرضاة رب العالمين وحده الذي حدد لهم أهدافهم في الحياة.

فإذا أخذنا المرأة التي هي ركن البيت المسلم نجدها في رمضان أكثر تحدياً لنظام العولمة الذي يحاول ان يفرض عليها مبادئه الداعية إلى رفض نظام الأسرة التقليدي القائم على القوامة والطاعة وما إلى ذلك من مفاهيم تسعى إلى تقويض بنى الأسرة، فنجد المرأة في هذا الشهر مهما كان انشغالها تسعى إلى تأمين اللقمة الطيبة لعائلتها دون أي مبالاة بمن يجد في العمل المنزلي إنقاصاً لكرامتها.

وإذا أخذنا الزوج ورب الأسرة وجدنا في اجتماعه اليومي بأسرته وتركه العمل والجري وراء لقمة العيش تأكيداً على مبدأ المودة والرحمة التي تبنى عليها الأسرة المسلمة، وينعكس هذا اللقاء اليومي لمدة شهر راحة واطمئناناً على أفراد الأسرة وخاصة الأولاد الذين قد يعانون من قلة هذه اللقاءات خلال السنة، وصدق الشاعر حين قال:

ليس اليتيم من انتهى أبواه من همّ الحياة وخلفاه ذليلا

إن اليتيم هو الذي تلقى له أماً تخلّت أو أباً مشغولا

كما تأتي العلاقات الاجتماعية بين أفراد المسلمين وتزاورهم وتوادهم في رمضان، لِيُثبت أهمية تماسك المسلمين فيما بينهم وتراصهم الذي حث عليه الإسلام، ويتجلى هذا الأمر في تصرفات المسلم المتنوعة، والتي منها:

1-امتلاء المساجد ودور العبادات بالمسلمين من مختلف الأعمار والجنسيات مثبتين المساواة بين المسلمين كافة، قال رسول الله - عليه الصلاة والسلام:"الناس سواسية كأسنان المشط لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى"، ومثبتين أيضاً تمسكهم بالجماعة التي بيّن فضائلها رسول الله - عليه الصلاة والسلام - بقوله:"ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان. فعليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية"، رواه أبو داود.

2-امتناع المسلم عن إيذاء أخيه المسلم أو الإساءة إليه ولو بالكلمة، وقد جاء هذا النهي على لسان رسول الله - عليه الصلاة والسلام - الذي قال:"إذا كان أحدكم صائماً، فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم"، أخرجه مسلم.

3-مسارعة المؤمن إلى إدخال الفرح والسرور على قلوب الآخرين عبر أي عمل خيري تطوعي، وإن كان عن طريق إطعام الضيف في رمضان، كل ذلك بهدف اكتساب الثواب في الدنيا والآخرة، قال - عليه الصلاة والسلام - مبيناّ فضل من فطّر صائماً:"من فطّر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئ"، رواه الترمذي.

هذا وقد بين الشهيد سيد قطب فرح الإنسان وسعادته بعطاء الآخرين بقوله:"بالتجربة عرفت أنه لا شيء في هذه الحياة يعدل ذلك الفرح الروحي الشفيف الذي نجده عندما نستطيع أن ندخل العزاء أو الفرح إلى نفوس الآخرين".

هذا الفرح بالعطاء أثبته علماء الغرب ولكن الفرق بيننا وبينهم أنهم يحدّدون هذا العطاء بدولارات قليلة وذلك تخفيفاً لعقدة الذنب التي قد يمكن أن يشعروها تجاه الفقراء، وقال"روبرت رايت": إذا وجدت أنك لا تستطيع النعاس حزناً على حال عمال أُغلق مصنعهم في سري لانكا وأصبحوا بلا عمل نتيجة لبطء طفيف طرأ على العولمة، هناك سبل يمكن اتباعها لتخفيف إحساسك بالانزعاج من ذلك، ومن هذه السبل أن تتبرع ببعض النقود للمؤسسات الخيرية التي توزع الطعام والغذاء على الشرائح الأشد فقراُ في العالم"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت