فهرس الكتاب

الصفحة 25995 من 27364

الدكتور رياض بن محمد المسيميري

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فحين تنادي الغيورون بضرورة صنع شيء ما يقاومون من خلاله البطش الصليبي الغاشم ؛ لم يجدوا أفضل وأنكأ من"مقاطعة بضاعة العدو"بيعاً وشراءً لمعرفتهم ما يمثله هذا الإجراء المؤثر من إصابة في الصميم لمعبودهم المقدس"الدولار"والذي يشكل في حس المواطن الصليبي هناك كل حياته وسعادته والتي يضحى من أجلها بأبويه وولديه وشرفه وعرضه , في سبيل الظفر به!! .

وكانت فكرة المقاطعة امتحان واقعي جيد لإرادة الجماهير المسلمة ومدى قدرتها على التضحية في سبيل مبادئها العليا وثوابتها الراسخة . كما كانت الفكرة كذلك اختبار فيه جدة وجدية لعواطف الشعوب ومصداقيتها وهي التي ظلت دائماً وأبداً تضع اللوم على أصحاب القرار دون أن تظهر اعترافات ذات بال بأنها تشارك إلى حد ما في ولادة مشاكلها واستمرار مصائبها وفشو أوجاعها المزمنة!! .

وقد اجتهد البعض فوضع قوائم لجملة من المنتجات الوافدة ووضع إزائها البديل من المنتج المحلي أو العالمي إلا أنّ التجاوب والتفاعل مع هذه الأفكار الجريئة ظل بين مدّ وجزر ، وبين مُشجع ومُخذل, ومُقدم ومُحجم!

وساد لدى البعض هاجس من الشك حول جدوى هذا الأسلوب ومدى فاعليته وتأثيره؛ كما تردد آخرون في مبدأ الإقدام خوفاً من فضيحة الانسحاب في منتصف الطريق!!

أما أكثر الأطراف سلبية فهم أولئك العاجزون عن مقاومة إغراء الجودة وعقدة التفوق للمنتج الأمريكي فضلاً عن كون المقاطعة ستحرمهم من منتجات اعتادوها وألفوها منذ نعومة أظفارهم ولم يخطر ببال أحدهم أنه سيطالب يوماً ما بمقاطعتها إلى غير رجعة !!

وهذه السطور محاولة لتفعيل الفكرة بحسب الإمكان وبث بعض الأفكار والرؤى حولها أملاً في تحقيق نجاح معقول من ورائها!! .

أولاً: لا يماري أحد أنّ الولايات المتحدة واحدة من أغنى دول العالم وأقواها عسكرياً واقتصادياً وسياسياً ولا يشك أحد أن ترسانتها العسكرية التي من خلالها تمارس نفوذها وسيطرتها على الأمم والشعوب إنما ساهم في صنعها وكثافتها سعة ثرائها وامتلاء خزينتها بفضل إنتاجها المذهل, وصادراتها الهائلة، ولا ريب أنّ الدول الإسلامية بالذات تعد أسواقاً مثالية للبضائع والمنتجات الأمريكية ابتداء من البيبسي كولا ووجبات الهامبورجر ومروراً بسيارات الفورد وال GMC وانتهاءً بطائرات الجامبو والأواكس والإف 15 !!

ومعلوم تلك الأرقام الفلكية التي تدفع مقابل هذا الواردات الضخمة والتي تضخ في الخزانة الأمريكية دون توقف!! .

وأحسب أنّ ما تدفعه الشعوب - بمحض إرادتها - يفوق الكثير مما تدفعه الدول لقاء صفقات الأسلحة أو إزاء تأمين طائرات الركاب المدينة!!

فعلى سبيل المثال فإن صناعة السيارات والأجهزة والملابس والأطعمة التي تستهلكها الشعوب الإسلامية والتي تقدر بمليارات الدولارات تضخ في خزينة الشركات الأمريكية الصليبية الحاقدة .

ثانياً: من المعلوم أنّه في عالم الاقتصاديات الضخمة تتشابك المصالح , وتتعقد الروابط بين أصحاب رؤوس الأموال, وأرباب الشركات بحيث أنّ اهتزاز شركة ما أو إفلاسها سيؤدي إلى آثار سلبية أكيدة على الشركات الأخرى ، وبعض تلك الآثار آني الحدوث, وبعضها متوسط, وبعضها متأخر لكنه حتمي الوجود!! .

فعلى سبيل المثال لو أنّ شركة أمريكية ما تنتج أقلاماً للكتابة وتستخدم 1000 عامل فهي بموجب القانون مضطرة لدفع التأمين الصحي لشركة أخرى وهي كذلك محتاجة إلى شراء ملابس لعمالها من شركة ثانية, ولا بد أن تطلب من شركة ثالثة أن توفر لها حافلات لنقل عمالها من وإلى مقر العمل ,وهي كذلك مجبورة على تأمين سكن ملائم لهم, لذا كان لا بد من إبرام عقد استئجار مبني أو شراءه.

ولا ننسى ساعة الغداء وما تتطلبه من تجهيز صالة للطعام وإبرام عقد مع إحدى شركات التغذية لتشغيله والإشراف عليه فهذه ست أو سبع شركات لها مصالحها وعقودها مع الشركة محل المثال وضربت صفحاً عن الاسترسال اختصاراً!! فلنفرض الآن أنّ شركة الأقلام هذه فقدت 50% من الأسواق المستهلكة نتيجة المقاطعة الشعبية الإسلامية فما النتيجة ؟ !ّ

النتيجة أنها ستفقد نصف أرباحها, وبالتالي ستسرح نصف عمالها, وستخفض التعامل مع شركة التأمين الصحي إلى 50 % وستقلل من شراء الملابس لعمالها من الشركة الثانية إلى النصف , وهكذا إلى آخر شركة تتعامل معها!!

وكل شركة ستقوم بنفس الأجراء مع الشركات التي تتعامل معها في تسلسل عجيب أشبه ما يكون بسقوط مبنى التجارة العالمية حيث سقط كل طابق على الذي تحته حتى سقط المبني بأكمله وأصبح كومة من التراب المتفحم والحديد المهترئ !!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت