فهرس الكتاب

الصفحة 5230 من 27364

في تفسير ظاهرة صعود"الحركات الإسلاميّة"

إبراهيم غرايبة 9/8/1427

دأب الخطاب العربي المعاصر على تسمية ظاهرة الحركات الإسلامية بالإسلام السياسي، ويقدم كتاب تركي الربيعو الذي صدر مؤخراً بعنوان"الحركات الإسلامية في منظور الخطاب العربي المعاصر"تحليلاً للخطاب العربي حول الحركات الإسلامية ومحاولته لتفسير الظاهرة وأبعادها، وربما يجدر بالإسلاميين معرفة طريقة تفكير الآخرين ورؤيتهم، فالفكر العربي المعاصر والذي يغلب عليه الاتجاه اليساري يحتكم إلى الماركسية في رؤيته للعامل الدين وتطبيقاته في التاريخ.

كانت هزيمة 1948و1967 مناسبة للباحثين للتفكير في أسباب الهزيمة والانحسار، وقد وجد اليساريون ذلك في الدين، وراح صادق جلال العظم في كتابه"نقد الفكر الديني"يبشر بانهيار الدين بقوله:"يبدو أن الموقف الديني القديم الممتلئ بالطمأنينة والتفاؤل في طريقه إلى الانهيار"وقد عزا ذلك لأسباب عديدة منها: أننا نمر في طور نهضة مهمة، وبانقلاب علمي وثقافي شامل، وأننا نمر في مرحلة تتميز بتحويل صناعي واشتراكي جذري، وأننا تأثرنا إلى أبعد الحدود بأخطر كتابين صدرا وهما"راس المال"وأصل الأنواع"لدراوين."

ولكن ما حدث بعد عام 1967 هو العكس تماماً، فقد نشأت صحوة إسلامية كبرى مازالت ممتدة ومتنامية، وكان كتاب سيد قطب"معالم في الطريق"الذي صدر عام 1965 بالإضافة إلى كتبه الأخرى، وبخاصة"في ظلال القرآن"أكثر تأثيراً ربما من أي كتاب آخر في الأجيال العربية، حتى إن غازي القصيبي وصفه في إحدى رواياته على لسان أحد شخوص الرواية بأنه أهم كتاب صدر في الخمسمائة سنة الأخيرة.

لقد تعددت تفسيرات الصحوة الإسلامية وارتبكت، فأتباعها ينتمون إلى كل الفئات الاجتماعية والاقتصادية، ويذهب غالي شكري إلى الربط بين ظاهرة الإسلام السياسي وانتشارها، وبين انتشار المخدرات كرد فعل سيكولوجي يقوم به الإنسان المقهور على جملة التحديات، إن المقهور بتزمته وتمسكه بالتقاليد وبنكوصه إلى الماضي واحتمائه بأمجاده، يلجأ إلى أوالية شائعة في حالات الفشل تدفعه إلى أحضان الدين، وإلى مزيد من التعنت والتزمت.

وهكذا تظهر الحركات الإسلامية على أنها تعبير عن أوالية شائعة في حالات الفشل، يلجأ إليها الإنسان المقهور أو الإنسان العصبي، ويوصلنا هذا التفسير إلى نوعية الخطاب هنا وهو إقناع المخاطبين بضرورة الحجر الصحي على الشباب المسلم المنضوي في إطار الحركات الإسلامية، ويظهر هذا جلياً في الترابط الخفي الجلي بين المعرفة والسلطة، بين المعرفة التي يذكيها الخطاب التقدمي العربي، وبين رغبته في ممارسة السلطة، أو التعاون مع السلطة الحاكمة للوصول إلى الهدف.

وردت بعض التفسيرات الظاهرة إلى انحطاط البرجوزاية العربية وهزيمة حزيران، وتراجع المشروع الوطني، فساهمت هذه الأسباب في صعود الوعي الديني وتجليه في الحركات الإسلامية، وهناك وجهة نظر تقول إن التعليمية القائمة على التلقين تشكل أساساً صلباً يعين على انتشار الواعظين والأئمة، وعلى انتشار ظاهرة التطرف الديني في أوساط المثقفين والمهنيين، أما الأستاذ محمد حسنين هيكل فيقول: إن السادات كان مشغولاً بأعدائه من ناصريين ويساريين، فسعى لاستغلال الدين من خلال لقب الرئيس المؤمن وإصراره على حضور صلاة الجمعة، وتقوية محطة القرآن الكريم واستغلال الدين في الجامعات.

وهناك تفسير اجتماعي مفاده أن الظاهرة الإسلامية هي أيدولوجيا ريفية في عالم المدن، فيقول محمود أمين العالم: هؤلاء الشباب كانوا من أصول ريفية فقيرة، ممن نزحوا إلى المدن الكبرى للعلم أو البحث عن عمل، وهم من أسر فقيرة أو من فئات وسطى وصغرى.

ويعزو الأستاذ فالح عبد الجبار يعزو إشكالية المنتج الريفي الصغير والتي تتجلى في شكل ديني له ثبات في القانون، والذي يهاجر إلى المدينة حاملاً معه تأثيرات الريف إلى المدينة وليس العكس، ويشير محمد حافظ دياب أن الخطاب القطبي الذي تؤول إليه جميع الخطابات الإسلامية المعاصرة، هو في النهاية التعبير الحي عن أيدولوجيا ريفية مسحوقة في عالم المدن، هذا التفسير يسود في أوساط الخطاب اليساري العربي، حيث ترتد بالظاهرة إلى موجات من الهجرة الريفية التي غزت المدن وما تحمله من أيديولوجية غيبية هيأت مرتعاً خصباً لنشوء هذه الحركات؛ فالحركات الإسلامية هي تعبير عن صراع الريف والمدن، وفي الحقيقة فإنه تفسير يتضمن نظرة احتقار للفلاح وثقافته، ويحمل أيضاً نزعة استشراقية لا تحترم الدين الإسلامي، أو تعده دين البساطة والبداوة والريف.

وهكذا فقد غلب على الخطاب العربي نظرة ملتزمة بالعودة إلى المثال، لا إلى الواقع والخصوصية، وهي تضفي على الدين قيمة سلبية مستمدة من رؤية وتجربة أوروبية، فالخطاب العربي يجد نفسه باستمرار أمام هذه الإشكالية المستمرة، التي تتمثل في فاعلية الدين على صعيد الجماهير، وقدرته على تجنيدها في الدفاع عن الأرض والوطن بحيث أصبح الدفاع عن الدين الإسلامي هو دفاع عن هوية، عن جماعة وأرض، على نحو يناقض كل مقولات الخطاب العربي المعاصر أو أغلبها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت