سيف الدين الأنصاري
لازلنا مع التأثيرات التي تركتها الحرب الصليبية على الساحة الفكرية للمسلمين، فبعد إفلاس مذهب"الجبرية السياسية"نطرح اليوم..
ثالثاً: حتى"الصوفية الحركية"مرفوضة.
لعل البعض لا يعرف من الصوفية إلاّ أنها طريقة لتهذيب الروح والعمل على الارتقاء بها إلى المقامات العالية لتبلغ منازل"العارفين"ومكانة الربانيين، أي أنها بالنسبة إليه تيار إسلامي تبنّى معاني أخلاقية تعتمد أساسا على الاستغراق في الاعتبارات الروحية، مما يؤدي إلى ترسيخ العقيدة التوحيدية ويساعد على السلامة من الفتنة الدنيوية وبالتالي ضمان السعادة في الآخرة.
هذا الذي يعرفه البعض عن الصوفية، وهي صورة لا تستدعي بالنسبة إليه الرفض المطلق أو الإنكار البات، وحتى إذا أنكر عليها فإنه ينكر التجاوزات الشرعية التي تقع فيها الطرق الصوفية، ونعني بها تلك الوسائل التي يستعملها السالكون إلى الله في سبيل الحصول على النشوة الروحية، كالسماع والرقص والذكر الجماعي .. إلخ، لأنها بدع مرفوضة إسلامياً. الأمر الذي يجعلنا نقول في النهاية بضرورة التفريق عند الحكم على الأشخاص، فقد يكون الرجل منتسبا إلى الصوفية انطلاقا من فكرة خاصة مفادها أن التصوف يعني المبالغة في الاهتمام بالتربية الروحية، على أساس أنها من العوامل المساعدة على تأمين المسلم من الفتنة التي تهدده في أجواء الحياة المادية.
لكنْ ورغم ما يمكن إبداؤه من الملاحظات على صوفية الطقوس هذه إلاّ أنها كلها في كفة والفكر الصوفي في كفة أخرى، لأن الذي يجب أن لا ننساه هو أن الصوفية لم تبق بمعزل عن المؤثرات الخارجية التي تتناغم مع اتجاهها، فقد اتصلت - أثناء بحثها عن الحقيقة - بالفلسفة العاملة في هذا الحقل، لأنها هي الأخرى تائهة تبحث عن الحقيقة"الضائعة"، فترافقتا معا في الطريق، وأثناء السير وقع بينهما شيء اسمه التلاقح الفكري، والذي كان من نتائجه أن تسربت كثير من الآراء الفلسفية إلى الصوفية، بل وتوغلت إلى الحد الذي لم يعد بالإمكان إنكار التأثير الأفلاطوني والمسيحي وحتى البوذي في الإنتاج الفكري للصوفية.
أي أننا أصبحنا أمام الفكر الصوفي وليس الصوفية فقط، وهو ما زاد من تعقيد المشكلة، لأن المرض قد تفاقم لينتقل من مجرد تجربة سلوكية ساعية وراء الأذواق الوجدانية إلى فكر يطرح رؤيته الخاصة للحياة، لعل أخص ما اتسمت به هو القفز على عالم السنن (القوانين) التي تحكم الحياة، وعدم التفعيل الجدي لمبدأ الأخذ بالأسباب، فـ"القوم"رغم اختلافاتهم التي تتجاوز عدد ألوان الطيف إلاّ أن شيئا واحدا يجمعهم يتلخص في أنهم يحملون نزعة هروبية يحرص أصحابها على إهمال التكاليف الشرعية التي يمكن أن تجلب"المتاعب"عند ممارسة الدين في الواقع الحياتي وخاصة عندما يتعلق الأمر بالمجال السياسي.
في التاريخ الحديث مثلا وعندما كانت جيوش الاستعمار تجتاح بلاد الإسلام وبالضبط عندما اقترب الجنود الفرنسيون من مدينة القيروان استعدَّ أهلها للدفاع عنها، لكنهم قبل الدخول في المواجهة جاءوا يسألون"سيد أحمد" (أحد زعماء الصوفية) أنْ يستشير لهم ضريح الشيخ! لأنهم كانوا"يعتقدون فيه". فدخل"سيد أحمد"الضريح، ثم خرج مهوِّلاً بما سينالهم من المصائب، وقال لهم بأنَّ الشيخ ينصحكم بالتسليم لأنَّ وقوع البلاد صار حتميا، فاتبع القوم قول الشيخ ولم يدافعوا عن"القيروان"، ومن ثم دخلها الفرنسيون آمنين بدون خسائر .
هذه الصورة المخزية تتكرر في يومنا هذا بالحرف تقريبا، فكتاب"البيان الأخير"- مثلاً - دق ناقوس الخطر، وخرج على الأمة محذراً من"هرمجدون"التي قد بدأ الصليبيون في تنفيذها، وقد استجمع الكاتب لتقرير هذا الفكرة كما هائلا من الأقوال والتأويلات التي تؤيد اجتهاده، والذي يستحق الاحترام على كل حال، لكن الملاحظ هو أنه مع كل التهويل والترويع الذي مارسه على القارئ فإنه لم يُشر - ولو من بعيد - إلى ضرورة الجهاد لمواجهة هذه الهجمة، ولا حتى إلى ضرورة الإعداد المادي للدفاع عن النفس في حال وقوعها، بل على العكس طرح في الأخير توجيهات عائمة، لا تجني منها الأمة الإسلامية إلاّ مزيدا من الإيغال والانغماس في دهاليز الأجواء الغيبية التي تُدخل المرء فيما يشبه الأمواج المتلاطمة من الحيرة، وبالتالي تراكم عناصر الأزمة، التي حاول الكاتب أن ينظّر لحلها من خلال المزيد من الانكفاء نحو الداخل، في صورة تركيزٍ على إصلاح الباطن بنوافل الصلاة والصيام، ربما اعتمادا على فكرةٍ ذات جذور صوفية تقول إن الوصول إلى الحقيقة الذي يتم عن طريق الكشف سيؤدي تلقائيا إلى امتلاك ناصية الكون وبالتالي حصول المراد في"الخارج"!!! (مصيبة)