وهذا سلاح ذو حدين، حيث يمكِّن المسلمين من أخذ زمام المبادرة أكثر، فهو السلاح الذي لا يمكن للعدو أن يمتلكه أبداً {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} (البقرة: 96)
تاسعاً: علمتنا هذه الحرب القائمة أن مسألة استنزاف العدو وتقويض أركانه أصبح أمراً ممكنا بل وفي المتناول، وبأنه هدف استراتيجي ينبغي التركيز عليه.
هذا ما ابتكره إخواننا في تنظيم قاعدة الجهاد كوسيلة جديدة وانتهجوها في هذه الحرب الصليبية بكل نجاح، ما دام أن الطرفين غير متكافئين على مستوى العدة والعتاد، فلابد من ابتكار أسلوب جديد، لا يقوى العدو على تفاديه أو مواجهته، ذلك هو أسلوب الاستنزاف المتواصل، ومحاولة تقويضه من الداخل، والتركيز على ضرب مفاصل قوته الاقتصادية والعسكرية، واستهداف قياداته ورؤوسه.
وها نحن نرى نتائج هذه الاستراتيجية الجديدة من الآن، حيث يتواجد العدو في مآزق سياسية واقتصادية خانقة، لم يكن ينتظرها ولا أعدَّ لها حلولاً. أما في السنوات وربما الشهور المقبلة فستكون الحالة أعقد وأدهى وأمر، مما سيسمح للمجاهدين بأخذ مواقع متقدمة في حلبة الصراع، وزمام المبادرة أكثر في إعادة قيادة هذه البشرية التائهة من جديد. هذا وعد من الله سيتحقق لا محالة، وليس مجرد حلم سياسي لتسلية النفوس.
الخاتمة
مما تقدم، يظهر لنا جلياً أن هذه الحرب الصليبية الجديدة تميزت بكثير من الإصرار والتركيز على إبادتنا، وكأنها فرصتهم الأخيرة لفعل ذلك، ذلك أنهم أحسوا- أكثر من أي وقت مضى - بأن هذه الجماعات المجاهدة (وعلى رأسها تنظيم قاعدة الجهاد) ، قد تمكنت من فهم طبيعة كيان العدو، والاطلاع على حقيقته وبالتالي كشف مواطن ضعفه، بالرغم من ادعائه عكس ذلك. مما سيسهل على المجاهدين قيادة هذه الحرب في ظروف أسهل وربما بأقل الخسائر الممكنة، بينما يحس العدو أنه سيضطر إلى دفع المزيد من الجهد والأجر للدفاع عن كيانه والمحافظة عليه، بدلاً من التفكير في شن حرب هجومية - كما كان من قبل-. فأقصى ما يصبو إليه العدو هو تفادي ضربات المجاهدين، ومحاولة الإبقاء على الحالة السابقة بدلاً من تضييع كل شيء.
ولكن المجاهدين لهم كلمتهم ورأيهم المخالف، فقد قرروا هم كذلك الانتقال إلى موقع الهجوم، ولكنه هجوم من نوع آخر، لا يمكن للعدو أن يتفاداه باستمرار، مما سيؤدي إلى انقلاب الصورة التي كنا نعرف، والاقتراب أكثر وبخطى واثقة وأكيدة نحو وعد الله تعالى بالنصر والتمكين، على أنقاض هذا الكيان الغاصب، أما بخصوص أذياله وروافده التي تمثلها هذه الأنظمة المرتدة العفنة، فستذوب بأسرع مما نتصور وتنهار ثم تزول، بسبب انقطاع عناصر الحياة عنها.
نتيجة حتمية، لا ريب فيها، بنصوص قرآنية مجيدة {كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} (المجادلة: 21) . {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} (غافر: 51) {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (النور: 55) .
والحمد لله وهو ولي التوفيق.