محمد ابورمان 11/3/1424
لقيت تجربة حزب العدالة والتنمية أصداءً كبيرة داخل الدول العربية والإسلامية، وأثارت جملة من المناظرات الفكرية حول التجربة بين مؤيد ومعارض ومرحِّب ومتشكك، بين من يقدِّر خصوصية الواقع التركي ومن يدعو إلى التعميم، وربما لم يكن انتصار حزب العدالة والتنمية جديداً في إطار الانتصارات التي حققتها -سابقاً- الأحزاب الإسلامية التركية، خاصة حزب الرفاه في الفترة الأخيرة؛ لكن تجربة العدالة اتسمت بعناصر جديدة على المستوى الفكري والحركي، حيث أعاد الحزب إنتاج أفكاره بثوب جديد، مبتعداً عن الشعارات الإسلامية، واستطاع أن يحصد أصواتاً من فئات اجتماعية مختلفة، كانت أصواتها محجوبة عن الأحزاب الإسلامية، كالعلويين والأكراد والطبقة الرأسمالية.
وفي حين تتعدد وتتحاور الآراء والتفسيرات في تحليل هذا الانتصار الكبير للحزب، والذي اعتبرته العديد من مراكز الدراسات والمؤسسات الغربية بمثابة (الهزة السياسية) ،فإنّ المرحلة الأصعب التي تواجه الحزب هي ما بعد الانتخابات، وذلك في تعامله مع تعقيدات السياسة التركية، والتي تتنوع بين المستوى الداخلي كالأزمة الاقتصادية الأخيرة، والتعدد العرقي والطائفي، وبين المستوى الخارجي، كالعلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، ومحاولات الدخول إلى الاتحاد الأوروبي، والحرب ضد العراق، بيد أنّ أخطر التحديات التي تواجه الحزب في المرحلة القادمة، هو العلاقة مع الجيش والمؤسسة العلمانية المتطرفة، وهي بمثابة حقل الأشواك الذي يتطلب من الحزب حذراً شديداً في سلوكه ومواقفه. لكن يبقى السؤال في تجربة حزب العدالة والتنمية هو:
إلى أي مدى يمكن للأحزاب الإسلامية اتخاذ دافع المصلحة ومبدأ المرونة في التحايل على الواقع السياسي الذي تتفاعل معه؟..
العلمانية والعسكر في تركيا
تتميّز العلمانية التركية بأنها (علمانية عسكرية) ، فهي أقرب إلى الطابع الفرنسي في معاداة الدين، والذي يطلق عليه )اللائكية ((1) (Laicism) ، فالجمهورية التركية التي أسسها (كمال أتاتورك) على أنقاض الخلافة العثمانية عام1924، قامت على هذا النوع من العلمانية في العداء للدين، وتعتبر المؤسسة العسكرية التركية هي الحامي الكبير لها، حيث تدخلت أكثر من مرة لمنع حدوث أي اختراق، مثلما حدث في انقلاب عام 1960، وعام1971 وانقلاب عام 1980، والإنذار الذي وجهه الجيش لحزب الرفاه عام 1997، وتلا ذلك استقالة (أربكان) من رئاسة الجمهورية في العام نفسه، ثم إلغاء الحزب (2) ، كما أنّ هناك مجلس الأمن القومي التركي الذي أسس عام 1961، ومن أبرز وظائفه التدخل عندما تتعرّض الجمهورية للخطر.
لقد عمل الجيش والعلمانيون على مدى العقود السابقة على منع أي نفوذ إسلامي حقيقي، وواجها معا (نجم الدين أربكان) مؤسس الحركة الإسلامية التركية، والذي أسس حزب النظام الوطني وحزب السلام الوطني، ثمّ حزب الرفاه الذي شكّل الثورة الأولى لانتصار الإسلام الانتخابي في تركيا عام 1996، وقام بتشكيل الحكومة الائتلافية مع حزب الطريق القويم، إلاّ أنّ الجيش عاد وتدخّل ومنع (أربكان) نفسه من ممارسة السياسة فرعى (أربكان) تأسيس حزب جديد هو حزب الفضيلة.
لقد رافق عدد من مؤسسي حزب العدالة والتنمية ومنظريه السياسيين تجربة أربكان، ونالوا نصيباً وافراً منها، ومن قربهم من المعلّم الأول، لكنهم خرجوا فيما بعد وأنشأوا حزبا جديدا على أنقاض حزب الفصيلة، لكنه لم يحظ بمباركة (أربكان) رسمياً والذي أيّد الحزب الآخر وهو حزب السعادة (3) .
وقد حاول مؤسسو حزب العدالة تقديم طرح متقدم -عن خطاب أربكان- في الطابع البراغماتي، ومتصالح مع المؤسسة العسكرية والجمهورية الأتاتوركية. وهنا يبرز السؤال: إذا كان أربكان -الذي قدم خطاباً براغماتياً، وسعى إلى تجنب المواجهة مع العسكر- قد وصل إلى طريق مسدود، وقام العسكر -على الرغم من الشعبية الكبيرة التي كان يتمتع بها حزب الرفاه، وعلى الرغم من المرونة والبراغماتية الواسعة التي تحلّى بها أربكان- بإلغائه واعتقال عدد من قياداته؛ بحجة حماية الجمهورية والمبادئ الأتاتوركية، فعلى ماذا يعوِّل (أردوغان) وقادة حزب العدالة (( AKP في ضمان الاستمرارية، وعدم الوصول إلى نفس المصير السابق الذي وصل إليه معلمهم؟..
الإسلاميون الجدد
لقد قرأ مؤسسو حزب العدالة والتنمية المعادلة الداخلية والإقليمية والدولية جيداً، وقدّموا برنامجهم الانتخابي بعناية شديدة، تحاول أن توازن بين كل هذه الاعتبارات، وتضمن لهم البقاء والخروج من الحلقة المفرغة في الصراع مع الجيش، والتي كانت تنتهي دائما لصالح الجيش، ومن أهم الاعتبارات التي تعامل معها المؤسسون في صياغة هوية الحزب، وتوجهاته الفكرية والسياسية المبدئية: