أولا: أنّ هناك حساسية بالغة لدى المؤسسة السياسية العلمانية والعسكرية التركية اتجاه الإسلاميين والشعارات الإسلامية؛ ولتجنب هذه الحساسية -والتي تعطي كذلك المبرر لمصادرة الحزب- يصمم مؤسسو الحزب -كما هو واضح من الوثائق والتصريحات العديدة الصادرة عنهم- على تجنب أي تبرير يؤدي إلى إلغائه ووصوله إلى نفس مصير حزب الرفاه والأحزاب الإسلامية التي سبقته، وكانت البداية من خلال إعادة هيكلة وتأسيس كل شيء حتى الشعارات والأسماء، والانتقال بالحزب من دائرة الشعار الديني إلى دائرة (اليمين المحافظ) ، ومن البعد الأيدلوجي الإسلامي، إلى البعد الإصلاحي الوطني (4) ، حيث يعلن (عبد الله غول) -بإصرار-:"نحن لسنا حزبا دينيا، نريد أن نثبت أن المجتمع المسلم يمكن أن يكون شفّافا وديمقراطيا ومتوافقا مع العالم الحديث" (5) . بل يصرّح غول نفسه:"نحن حزب أوروبي محافظ". و يؤكّد البرنامج الانتخابي للحزب في هذا السياق على الاعتراف بالعلمانية، واعتبارها متطلباً (6) أساسياً للعملية الديمقراطية P r e صلى الله عليه وسلمequisite of democ r acy )) (7) .
هنا يبرز التساؤل حول كيفية التوفيق التي تتم داخل تفكير الحزب بين العلمانية والديمقراطية والإسلام (الذي يمثّل الجذور الفكرية لحزب العدالة) ، فالعدالة يقدّم نفسه حزبا يمينيا لا يستبعد الإسلام، وإنما يضعه ضمن إطار فكري وسياسي يتعايش فيه مع العلمانية والديمقراطية، من خلال اعتبار الإسلام قالبا روحيا لغالبية المجتمع التركي، بينما العلمانية والديمقراطية أسلوب أمثل لإدارة الحكم (8) ، لكنه يعيد تعريف العلمانية، ويزيل الاشتباك بينها وبين الدين، الأمر الحاصل في العلمانية التركية (التي تمنع حتّى الفتيات المحجبات من دخول الجامعات، والمؤسسات العامة، في نفس الوقت الذي يُسمح في الغرب بذلك) ، فالعلمانية -كما يعرّفها البرنامج الانتخابي للحزب- تعني:"السماح للناس من كل الأديان والاعتقادات في الممارسة المريحة للأديان، والقدرة على التعبير عن قناعتهم الدينية والعيش وفقها، وفي الوقت نفسه السماح للناس بلا اعتقادات؛ لينظموا حياتهم وفق هذه الرؤية. انطلاقا من ذلك فالعلمانية مبدأ للحرية والسلام الاجتماعي" (9) . أما الدين فهو البعد الروحي والأخلاقي للناس، والذي يشكل الموروث الثقافي الذي يميّز الشعب التركي (10) ، هذه المعادلة القائمة على تقاسم الأدوار يوضّحها (أردوغان) في إجابته عن سؤال في إحدى المقابلات حول محاولة حزبه التوفيق بين الشريعة والديمقراطية، على الرغم من أن القرآن يؤكد -على سبيل المثال- بأن المسلم لا يجوز له أن يقيم علاقات صداقة ومحبة مع المسيحيين واليهود، إذ يقول:-بما يعزز التقسيم السابق لديه بين البعد الروحي والأخلاقي والبعد السياسي البراغماتي -:"أن القرآن كتاب ديني، والديمقراطية شكل للحكومة، فمن الخطأ أن نضع الاثنين ضمن تقسيم واحد، القرآن يشكل اعتقاداتي، والديمقراطية تشكل اعتقادي بالحكومة كما يجب أن تكون" (12) ، وفي تصريح آخر له يقول:"الإسلام دين مقدّس والسياسة ليست معصومة" (1) .الرؤية السابقة للعلاقة بين الإسلام والعلمانية تقوم على مصالحة تستند على انتقاد لنمط العلمانية التركي المحارب للإسلام ولحقوق المسلمين الدينية في اختيار منهج حياتهم الذي يريدون (13) ، وعلى انتقاد ما يسميه البرنامج الانتخابي لحزب العدالة باستغلال الدين وتوظيفه في السياسة (14) ، وضمن هذه الموازنات والاعتبارات ينتقد حزب العدالة منع الحجاب في المؤسسات والجامعات الرسمية، لكنه لا يعطي الموضوع الأولوية، ولا يريد أن يكون سببا في صدام مع المؤسسة العسكرية، في الوقت نفسه يعلن أنه لا يرى ضرورة زيادة المدارس الدينية، لكنه في جانب آخر لا يرى مبررا لإغلاقها (15) .
لقد حظيت هذه الهيكلة في الشعارات والبرامج بالقبول مبدئيا من قبل مؤسسة الجيش، والتي أعلن أحد رموزها بأنهم لن يقفوا ضد إرادة الشعب التركي، وأنهم سيعطون حزب العدالة الفرصة الكافية (16) . كما أنّ هذه البداية -يعتبرها عدد من المحللين- جيدة، وتساهم في التقليل من مسألة التخوف والتشكيك في نوايا الحزب ومبادئه من قبل العسكر.
مكمن الفرق مع تجربة أربكان
في هذا السياق يطرح عدد من المحللين طبيعة الاختلاف بين تجربة أربكان الطويلة وتجربة العدالة الناشئة، حيث يرى عدد من الخبراء أن أربكان قد وقف في منتصف الطريق بين الأيدلوجيا والبراغماتية، بينما أردوغان تجاوز الأيدلوجيا إلى درجة كبيرة، كما أن أربكان لم يتردد في الاشتباك مع المؤسسة العلمانية والجيش، وكان يضع الإسلام أمامه بينما أردوغان تجنب هذه المواجهة الخاسرة ووضع الإسلام في قلبه، أيضا أربكان بنى قاعدته الجماهيرية على أنصار الحل الإسلامي من السنة، بينما أردوغان استقطب الفئات الاجتماعية الأخرى (17) من الأكراد والعلويين، والذين يشكلون مجتمعين نسبة مئوية كبيرة في الشعب التركي (18) .