إبراهيم العريفان
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
إخوة الإيمان والعقيدة ... في هدا الزمان ، وفي كل مكان .. يراق دم الإنسان .. كل ذنبه أنه يقرأ القرآن .. لقد سمعنا قبل سنوات كلمات مريرة من أرض البوسنة والهرسك تقول: نحن لا نريد أن تدافعوا عنا ، فلا ترسلوا جيوشكم إلينا ، ولا تبعثوا لنا بالسلاح ، ولا نريد صدقاتكم وأموالكم .. فقط أرسلوا لنا حبوب منع الحمل ، حتى لا ينبت في أحشائنا أبناء الصرب !!
كانت هده الكلمات المريرة لامرأة بوسنية مزجتها بطعم الألم والحسرة والخيبة ، التي ارتوت منها العروق ، والتي كانت شاهدًا على أعلى صور الخزي والهوان الذي ضربنا به المثل في ذلك الوقت ، والتي حسبنا وقتها أن الأمة لن تمر بتلك الصورة من التخاذل والمخزي مرة أخرى . وظننا أن بُعد الشُقة بيننا وبين البوسنة ، وقطيعة الرحم الإسلامية معها أدت إلى جزء من ذلك التخاذل ، فما الذي كانت تعرفه الأمة عن البوسنة قبل حروبها ، وما هي صور التواصل التي كانت بيننا وبينها !! لا شيء .
واليوم نخشى أن تخرج علينا امرأة أخرى بالنداء المرير الأليم نفسه ! ولكن .. ليس من البوسنة هده المرة .. إنما نخشى أن تصلنا تلك الرسالة من فلسطين .. من بغداد .. من عمان .. من القاهرة .. من دمشق .. من أي بلد عربي أو إسلامي ليس بعيدًا عنا ، لنا معه روابط ووشائج ، نحفظ تاريخه ، نعرف حتى أسماء أزقته ودروبه .
وما يمنع ؟ فها هي العراق قد رأينا فيها الموتى الجماعي التي كنا نسمع عنها في البلاد البعيدة .. في البوسنة .. في كوسوفا ..
وما يمنع من ذلك ! وها هي العراق قد رأينا فيها الدمار والخراب الهائل الذي رأيناه في البلاد البعيدة .. في كابول .. في كشمير .
ما يمنع من ذلك ! والرسائل الموجعة كتلك الرسالة البوسنية تأتيتنا كل يوم ، وها هو مناديهم ينادي:
أعيرونا مدافعكم ليوم .. لا مدامعكم .. أعيرونا .. وظلوا في مواقعكم ... ألسنا أخوة في الدين قد كنا .. وما زلنا ... فهل هنتم !! وهل هُنا !! .. أيعجبكم إذا ضعنا .. أيسعدكم إذا جعنا .. وما معنى قلوبكم معنا ؟ رأينا الدمع لا يشفي لنا صدرًا .. ولا يبري لنا جرحًا .. أعيرونا رصاصًا يخرق الأجساد .. لا نحتاج لا رزًا ولا قمحًا .. أعيرونا وخلو الشجب واستحيوا .. سئمنا الشجب والردحا ..
في العراق اليوم .. المدينة تلو المدينة تنتظر دورها في الدمار والخراب والقتل والتشريد .. وأمتنا تقف موقف المشاهد ، ورغم وضوح الصورة وقوة الصوت وبشاعة المشهد ، ورغم العيون التي لم يصبها العمى بعد ، والآذان ما زالت تسمع ، فإن الاستجابة مخزية .. وكأن القوم يرون مشهدًا سينمائيًا مؤلمًا ، أو يسمعن أغنية عاطفية مؤثرة كالتي أشربوها من قنواتهم ومذائعهم .
ماذا نقول لربنا عن خذلاننا لإخواننا في الدين وقد استنصرونا وهو القائل سبحانه { وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ } ماذا نقول لنبينا صلى الله عليه وسلم وهو القائل ( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخدله ) وهو القائل أيضًا ( ما من امرئ يخذل امرأً مسلمًا في موضع تنتهك فيه حرمته ، وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله ) ماذا نقول يا أمة المليار عن عائلة عراقية مؤلفة من خمسة عشر شخصًا قُتِلت .. ماذا نقول لربنا عن طفلة عراقية ماتت ولم تتجاوز ستة أشهر .
ماذا نقول .. وهم ليسوا بعيدًا عنا فنعتذر بطول السفر ؟ ماذا نقول وقد ذُبحوا بغير ذنب ، هل نعتذر عن عدم النفرة لشدة الحر { قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ } ؟ ماذا نقول وليس بيننا وبينهم إلا أسلاك شائكة ؟
ماذا فعلنا لتلك الدموع المنهمرة التي تستغيث بنا ليلاً ونهاراً .. فما زادنا ذلك إلا فرارًا .. فمعذرة العراق .. قد فُجعْتِ بنا ولم نُفجع بك .. عندنا صَمَتَ كلُ شيء ، وعندكم حركتم الأرواح تبذلونها رخيصة في سبيل الله .. نحن مُتنًا جُبْنًا في جلودنا ، وأنتم الذين تصنعون الحياة بموتكم .. فمعذرة العراق إنه زمن الهوان ..
معذرة أيتها النائحة الثكلى على والد أو زوج أو أخ أو ولد .. فما عادت نخوتنا كما كانت ، وما عادت شهامتنا كما كانت .. وما عاد الشرف الرفيع الذي لم يسلم من الأذى تراق على جوانبه حتى قطرة من دمع !!
معذرة بني !! أيها الصغير حين لم تجد فينا رجالاً يضمونك إليهم ، يهدئون روعك ، يؤمنون خوفك ، يشبعون جوعك ، أو حتى يمسحون دمعك !!
معذرة أخي المجاهد .. خذلناك وما خلفناك في أهلك ومالك بخير .. خذلناك وما أمددناك ولا نصرناك .. ولا حتى واسيناك !!
معذرة أيتها النساء .. حزنا بحزنكن .. وفرحنا بقوتكن وصمودكن أمام دبابات وصواريخ تحملون السلاح .. تدافعون عن دينكم وأمتكم ..
ألف أسف على أمة يدافع عنها نساؤها .. يحمي أعراضها نساؤها ، تجود بأرواحها نساؤها .. حماية للقاعدين .. حماية للمتثاقلين إلى الأرض .. حماية للمخلفين .. فمعذرة العراق ..