حوار: عبد الحي شاهين 3/9/1424
أبرز نشوء الشرق الأوسط الحديث وظهور دوله السياسية بشكلها الحالي عدة قضايا إلى السطح؛ من أهمها العلاقة بين الإسلام والوطنية. وأصبح التوفيق بين الإسلام والوطنية قضية دينية وأيديولوجية وسياسية مازالت مطروحة للنقاش, وبينما لا يزال البعض يرى أن الإسلام والوطنية غير متوافقين, يؤكد آخرون أن الوطنية لم تعد فقط حقيقة واقعة وعملية, بل إنه قد تمت (أسلمتها) بطرائق متعددة كما في مصر وإيران والسعودية وأفغانستان وماليزيا وإندونيسيا , ومع استمرار المسلمين في القرن الحادي والعشرين في مناقشة الشكل الأمثل لتطبيق الإسلام على مستوى الدولة والمجتمع؛ فإن من المهم أن يفهم التطور التاريخي للتفاعل بين الإسلام والوطنية في الشرق الأوسط وخاصة في العالم العربي.
في هذا الحوار مع المفكر الإسلامي الدكتور (عبد الوهاب الأفندي) الباحث والمتخصص في الفكر السياسي الإسلامي, نلقي الضوء على كثير من الإشكاليات التي صاحبت ظهور مصطلحات الأمة والوطنية، وكيف تم تناولها من قبل الإسلاميين والليبراليين, والدكتور عبد الوهاب الأفندي هو صاحب آراء واضحة وقيمة في هذه القضايا, وقبل سنوات أصدر كتاباً أُثير حوله الكثير من الجدل في الأوساط الأكاديمية والبحثية أجمل فيه آراءه حول الدولة الإسلامية وماهيتها , وكان بعنوان (who needs an Islamic State? ) . وهنا نص الحوار....
* عند الحديث عن مفهوم الأمة والوطن يلاحظ أن غالبية النصوص الفكرية والسياسية المعاصرة في العالم العربي والإسلامي، يغشاها الكثير من الالتباس والتوتر فيما يتعلق بهذين المفهومين ونطاق كل منهما.. فما السبب؟
أهم مصدر للالتباس هو أن الوطنية أو القومية مفهوم غربي في الأساس، بينما مفهوم الأمة مفهوم إسلامي، ويتعلق مفهوم الأمة أصلاً في الإسلام بالرابطة الأخوية الدينية بين المؤمنين، وهي رابطة طوعية اختيارية، وينطلق منها مفهوم الجماعة باعتبارها رابطة تضامنية لحمتها الالتزام بالقيم الإسلامية وتطبيقها في واقع الحياة والترويج لها.
وبالمقابل فإن الرابطة الوطنية هي رابطة تعاقدية ليس لها محتوى سابق على التعاقد نفسه، وهي إن كانت طوعية نظرياً إلا أنها أصبحت في عصرنا هذا إجبارية في الواقع، لأن الإنسان يولد وهو مرتبط بهوية وطنية معينة يصعب عليه استبدالها.
وفي هذا الإطار تصبح الرابطة الوطنية القومية هي أشبه بالرابطة القبلية أو العرقية في السابق. وهناك تطابق بين الاثنين في أحيان كثيرة، كما هو الحال في الهوية الروسية أو الفرنسية أو الأيرلندية وغيرها من الروابط التي تتطابق فيها الهوية الوطنية والعرقية. ويسعى مبدأ تقرير المصير الذي قام عليه النظام العالمي الحالي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى خلق أكبر قدر من التطابق بين الهويتين.
وهذا مصدر التباس آخر في الأدبيات العربية؛ لأن الحركة القومية العربية الحديثة تؤكد على الهوية العربية الشاملة، وتربط بين مبدأ تقرير المصير والوحدة العربية، ولهذا تستخدم الأدبيات العربية مفهوم الوطنية على خلاف الاصطلاح العالمي الذي يطابق بين الوطنية والقومية. فالدولة القومية هي نفسها الدولة الوطنية، ولكن العرب ابتدعوا مصطلح"الدولة القطرية"للدلالة على الدول العربية المتفرقة، بينما يستعمل مصطلح القومية للدلالة على الرابطة العربية الشاملة.
من الممكن أن يقال إذاً: إن جزءًا من الالتباس سببه الخلاف الأيديولوجي بين التيارات المختلفة في العالم العربي، وإصرار كل تيار على استخدام المصطلحات طبقاً لتوجهاته الإيديولوجية.
مهما يكن فيمكننا إذًا أن نشير إلى مفهوم الأمة بمعناه الإسلامي، باعتباره الرابطة التي تجمع كل المسلمين، وإن كان البعض يستخدم هذا المصطلح كمرادف للرابطة القومية أو الوطنية، كما يقال"الأمة العربية"أو"الأمة المصرية"وهو مقبول لغوياً لأن تعبير"الأمة"تاريخياً كان يحدد بقولنا"الأمة الإسلامية"أو"أمة الإسلام". أما الرابطة الوطنية فهي تلك الرابطة التعاقدية التي تعقد بين مواطني دولة واحدة على أساس الحد الأدنى مما يجمعهم.
* هل كان للغرب الاستعماري أي تأثير في الحد من أو تعزيز أفكار القومية والوطنية في العالم الإسلامي؟
التحدي الغربي أثّر بقوة في الاتجاهات الفكرية الإسلامية حتى قبل مرحلة الاستعمار؛ فقد بدأت بعض التيارات تتأثر بالمفاهيم الغربية في هذا المجال منذ نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. وكان المنطلق في كل هذا الشعور يضعف موقف الأمة الإسلامية تجاه الغرب، والسعي لخلق توازن يعيد للأمة اعتبارها. وقد رأت النخب الحاكمة والمفكرة أن نقطة البداية تكون بتقوية الدولة اقتصادياً وعسكرياً عن طريق إدخال العلوم الغربية الحديثة وتطبيق الإدارة المدنية الأوروبية. وهذا بدوره أدى إلى إدخال أفكار مثل القومية كأساس لتنظيم المجتمع وتحديد علاقته مع الدولة.