وقد كان لهذا أثر سلبي على الوحدة الإسلامية؛ لأنه أدى من جهة إلى إدخال وتبني مفاهيم تفرق ولا توحد، حيث حاول الأتراك إدخال ما سموه بـ"الرابطة العثمانية"لتوحيد شعوب الإمبراطورية على اختلاف أديانها وأعراقها، وعندما فشل هذا المسعى قاموا بإدخال مفهوم الطورانية، وهو مفهوم يقوم على الرابطة العرقية التركية، وقد سبب هذا أزمة؛ لأن كثيراً من شعوب الإمبراطورية وعلى رأسها العرب رفضوا فرض هذه الهوية المصطنعة عليهم، وقد أدى إلى ثورات مثل"الثورة العربية الكبرى" ( 1916-1918م) وتفتيت الدولة العثمانية.
وفي هذه الظروف تم أيضاً تبني مفهوم القومية العربية كرد فعل على فرض"التتريك"على شعوب الدولة العثمانية، وأيضاً لاستيعاب العرب المسيحيين الذين لا تشملهم الرابطة الإسلامية، ولكن تبني الرابطة العربية مقابل الإسلامية أدى إلى خلق مشاكل جديدة لم تكن تطرح في الإطار القديم، وعلى سبيل المثال؛ فإن الأكراد والبربر وغيرهم من المسلمين غير العرب وجدوا أنفسهم في حالة إقصاء بسبب اعتماد الهوية العربية بدلاً عن الهوية الإسلامية التي كانت توحد العرقيات المختلفة في السابق.
جرت محاولات لتفادي هذه المعضلة بالاعتماد على هوية جديدة، مثل الهوية العراقية أو اللبنانية أو الجزائرية. ومعروف أن الوحدات السياسية القائمة هي نتاج مباشر للحقبة الاستعمارية التي قسمت الدول الإسلامية على أسس تخص القوى المستعمرة، وقد لا يكون لها علاقة بواقع تلك الدول. وهذه مشكلة لم تعان منها الدول العربية والإسلامية وحدها، وإنما دول أخرى تعرضت للاستعمار في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، ولا تزال تواجه صراعات حول الهوية بهذا السبب.
ولا يعني هذا أن الهويات الجديدة"مصطنعة"؛ لأن كل هوية هي في الواقع مصطنعة، ولكنها تواجه تحديات أكثر في الحفاظ عليها، بما يفرض ذلك من تنازلات ومساومات لاستيعاب التوجهات والمصالح والهويات المختلفة في القطر الواحد.
* لكن ما يلاحظ أن الطرح الإسلامي في كافة تجلياته الكلاسيكية والمعاصرة لم يكن منشغلاً بإشكالية المواطنة أو الأمة بعكس التيار الليبرالي الذي تبنى هذه الإشكالية في كثير من مرجعياته. فما قولكم؟
كما ذكرت.. فإن مصطلح المواطنة هو مصطلح غربي يعود في أصوله إلى الفكر الإغريقي والروماني، حيث كان يشير إلى ساكن المدينة المتمتع بكامل الحقوق السياسية فيها، مقابل المحرومين من هذا الحق وعلى رأسهم النساء والعبيد والأجانب. وقد تطور مفهوم المواطنة في روما الإمبراطورية ليشمل أعدادًا من النخب من خارج المدينة، ولكنه أفرغ من مضمونه السياسي، بحيث أصبحت للمواطن حقوق مدنية دون المشاركة الكاملة في السلطة كما كان الحال سابقاً.
وقد تطور مفهوم المواطنة في الفكر السياسي الحديث ليشمل العضوية الكاملة في المجتمع السياسي وما يرتبط بها من حقوق مدنية وسياسية غير قابلة للتصرف. وارتبطت هذه المفاهيم ارتباطاً وثيقاً بالتوجهات الليبرالية ومنظريها، حيث أكدت المدارس الفكرية الليبرالية على دور الفرد وحقوقه، فارتبطت المواطنة بالنزعة الفردية والحقوق الديمقراطية المعروفة اليوم.
وهذا يجعل من الطبيعي أن تكون التيارات الليبرالية العربية هي التي تتبنى الترويج لمفهوم المواطنة؛ لأن هذا يمثل لب الفكر الليبرالي وجوهر أطروحاته. وبالمقابل هناك النقد الماركسي المعروف للطرح الليبرالي للمواطنة الذي يرى فيه طرحاً أجوف؛ لأن المواطنة الليبرالية تمنح حقوقاً شكلية لعجز الفقراء والمحرومين عن ممارستها عملياً.
إشكالية المواطنة فرضت على الفكر الإسلامي الحديث بسبب واقع التجزئة والتحديات الخارجية التي فرضت وحدة الشعوب الواقعة تحت الاستعمار حتى تتصدى له جماعياً. وقد سعى الفكر الإسلامي إلى استيعاب هذه الحقائق منذ القرن التاسع عشر، حيث طرح السيد جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في"العروة الوثقى"مفهوم الجامعة الشرقية التي تجمع كل شعوب الشرق المهددة بالاستعمار، بما في ذلك اليابان والصين. وقد سعى الأفغاني كذلك لاستثارة حماس المصريين والهنود بالإشارة إلى التاريخ العريق لهذه الشعوب وإنجازاتها الحضارية. ولكن الفكر الإسلامي يواجه إشكالاً في هذا الخصوص كونه معني أساساً بالجماعة الإسلامية ومشاكلها، فالدولة الإسلامية، محور التفكير الإسلامي الحديث هي أساساً دولة المؤمنين. ولكن واقع الدولة الحديثة فرض على الفكر الإسلامي التعامل العملي والنظري مع حقيقة وجود مواطنين غير مسلمين في كل الدول الإسلامية الحديثة تقريباً ، هذا إضافة إلى وجود طوائف مسلمة تختلف مذهبياً، مما يحتم أن تستوعب أية دولة عناصر لا تؤمن بالطرح الإسلامي الذي تتقدم به هذه الحركة أو تلك.