فهرس الكتاب

الصفحة 19863 من 27364

وقد بذلت الحركات وبذل المفكرون الإسلاميون جهوداً مكثفة للتعامل مع هذا التحدي أشرت إليها باستفاضة في مقالتي المنشورة بمجلة"المستقبل العربي" (العدد 264، فبراير 2001) . ولكن هذه الاجتهادات لم تبلغ بعد حد الاستجابة الحاسمة لهذه الإشكالية، حيث ما يزال قبول الإسلام بحق المواطنة لغير المسلم تحكمه النظرة التقليدية التي كانت تستند إلى وجود الدولة الإسلامية المقتصرة على المسلمين، وتعتبر غير المسلمين"ضيوفاً"ينبغي أن تحسن معاملتهم دون أن يكون لهم من الأمر شيء.

*هل يمكن تحقيق قدر من التوافق بين الإسلام والوطنية؟

الفكر الإسلامي يواجه إشكالات عميقة في مجال التوفيق بين المواطنة والمفاهيم الإسلامية السائدة. نظرياً بالطبع لا يوجد ما يمنع هذا التوفيق، فالإسلام اعترف اعترافاً كاملاً بالروابط القبلية والعرقية والإقليمية، واعتبرها أساساً لتنظيم حياة المجتمع المسلم؛ بل إن الروابط القبلية والأسرية لها مكانها في صميم القانون الإسلامي كما في أحكام الميراث والقصاص والزكاة وغيرها. وقد ظل المسلمون حتى عصرنا هذا ينتسبون إلى قبائلهم ومدنهم وبلدانهم دون غضاضة.

ولكن الرابطة الأساسية التي قام عليها الفكر الإسلامي والممارسة الإسلامية التقليدية تقوم على المطابقة بين الأمة والدولة. فمفهوم المواطنة في الفكر الحديث يقابله مفهوم المسلم في الفكر الإسلامي التقليدي. فكل فرد نطق بالشهادتين أصبح مسلماً، وبالتالي عضواً كامل العضوية في الأمة الإسلامية وشريكاً كامل الشراكة في الجماعة السياسية، نظرياً على الأقل؛ فالمسلمون يسعى بذمتهم أدناهم، وأمرهم شورى بينهم، ولا وتوجد بينهم أسس للتفرقة على أساس اللون أوالعرق أو المنشأ.

عملياً بالطبع لم تطبق هذه المفاهيم دائماً، ولكن الإشكال الذي نشأ حديثاً جاء من انتهاء المطابقة بين الأمة والجماعة السياسية، فالحدود الجغرافية الحديثة حالت بين المسلمين والمشاركة في وحدات سياسية خارج وطنهم، بينما ضمت هذه الحدود جماعات من غير المسلمين أصبح لها حق المشاركة الكامل في القرار السياسي حسب الأعراف الحديثة.

وقد حاولت الدولة الإسلامية منذ عهد التنظيمات في الدولة العثمانية والدستور الإيراني الأول عام 1905م التعامل مع هذا الواقع. ونجد مثلاً دستور الجمهورية الإسلامية في إيران اليوم ينص بوضوح على حرمان المسلمين غير الإيرانيين من المشاركة السياسية، بينما يتيح هذه المشاركة لليهود والنصارى وجماعات أخرى غير مسلمة، وفي هذا بالطبع مخالفة للمفاهيم الإسلامية التقليدية التي تحرم التفرقة بين المسلمين، ولكن هذا واقع أصبح التعايش معه مفروضاً على الدول والجماعات. إلا أن هذه الاجتهادات كانت مجرد تكريس للواقع، ولا تعبر حتى الآن عن اجتهادات ناضجة ومؤسسة تأسيساً واضحاً على المفاهيم والقيم الإسلامية.

*في العالم الإسلامي الآن صور متعددة لاستيعاب مفاهيم الوطنية والأمة, ما تشخيصكم لأبرز هذه النماذج (السعودية، ماليزيا، إيران ، مصر، إندونيسيا) ؟

نبدأ بالنموذج الإيراني الذي تحدثنا عنه؛ فهو قد بدأ في مطلع القرن الماضي بالسعي لتأطير هوية إيرانية تستوعب التعددية الدينية: (سنة وشيعة وآخرين) ، والعرقية: ( فرس، أكراد، عرب، تركمان، أذريين.. إلخ.) ، ولكن الذي غلب على هذه الهوية كان الطابع الشيعي دينياً والفارسي قومياً وثقافياً.

وفي عهد حكم (آل بهلوي) تم التركيز على المركب القومي الفارسي على حساب الشيعي، فيما قلبت الثورة الإسلامية هذه الصيغة وأعطت الأولوية للهوية الشيعية. وهذا بدوره يخلق إشكالاً لأن هناك قطاعاً كبيراً من المسلمين الإيرانيين هم من غير الشيعة، مما يعني إقصاءهم عملياً عن المشاركة السياسية. هذا إضافة إلى وجود كثير من الإيرانيين الشيعة لا يقبلون إيديولوجية الحكم القائمة على مبدأ ولاية الفقيه. إضافة إلى ذلك؛ فإن الخطاب الرسمي الإيراني الذي يغلب التركيز على الهوية الشيعية يستبطن اعتزازاً بالهوية الفارسية مما يجعله يواجه مشكلة مركبة.

السعودية لا تواجه مشكلة تعددية عرقية، ولكنها واجهت وتواجه تعددية قبلية وإقليمية ومذهبية لم يتم استيعابها بصورة كاملة في إطار الهوية الرسمية. التوجه الديني للدولة السعودية صهر الهويات الإقليمية والقبلية ولكنه عمق الخلاف المذهبي..، هناك الآن اعتراف بوجود هذه المشكلة عبر الحوار الذي ترعاه الدولة الآن للتقريب بين القوى المختلفة، ولكن الأمر يحتاج إلى أكثر من ذلك.

في مصر نجد هوية مصرية تعتمد على التاريخ المشترك وقوة الدولة المصرية وعدم وجود الانقسامات القبلية والعرقية. ولكن هناك أيضاً التباين الديني بين المسلمين والمسيحيين، وهو ما لم يتم تجاوزه بعد على الرغم من المحاولات المتتابعة لتشكيل هوية وطنية ليبرالية كانت الغالبة أمام الصراع ضد الاستعمار، أو لتشكيل هوية قومية عربية تربط مصر بمحيطها العربي.

ماليزيا لها وضع متميز ينبع من تعدديتها الدينية والعرقية، وقد نجحت إلى حد ما في صياغة هوية متميزة تقوم على عقد اجتماعي أساسه الديمقراطية والتكامل الاجتماعي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت