فهرس الكتاب
إدريس الكنبوري / الرباط 27/8/1426
في الوقت الذي تمر فيه القضية الفلسطينية بمنعطف شديد الدقة بعد العدوان الإسرائيلي على حركة حماس والإعلان المتكرر للمسؤولين العسكريين في الدولة العبرية عن استعداد الجيش الصهيوني للعودة إلى مرحلة استهداف قادة الحركة، وتغوص فيه المنطقة في الوحل من خلال ما يجري في العراق وفي لبنان وسورية وإيران، لا يسع المراقب إلا أن يرى أن التوجه الحالي في السياسات الأوروبية والأمريكية يسير نحو فرض الدولة العبرية في التربة العربية والإسلامية بالقوة أو بألاعيب السياسة.
ويلحظ المراقب أيضا كيف أن وتيرة التطبيع مع إسرائيل في المنطقة العربية والإسلامية باتت تجري باحتفالية منقطعة النظير، كما لو أن إسرائيل"اكتشفت"متأخرة بأنها توجد في قلب العالم العربي. إذ أصبحنا أمام خيط يمتد من المغرب وموريتانيا غربا إلى باكستان في آسيا .. يركض جريا خلف تطبيع علاقات لم تكن موجودة أو أخرى كانت سرية وانتقلت إلى العلن أو ثالثة هدأت فترة قصيرة أثناء الانتفاضة الفلسطينية وانتهت مع انتهاء مراسيم"العزاء".
آخر تقليعات التطبيع، والتي لا تخلو من غرابة، هي الإعلان عن إدخال الدولة العبرية نادي منظمة الفرانكوفونية التي تضم نحو خمسين دولة من البلدان الناطقة بالفرنسية المتحلقة حول زعامة دولية لفرنسا، تثير الحنين إليها أكثر مما تعكس واقعا قائما، وهي إحدى الابتكارات العجيبة لهذه المنظمة التي تحاول أن تخوض معارك نيابة عن فرنسا في مختلف الاتجاهات، أقلها داخل حظيرة الاتحاد الأوروبي نفسه لتأكيد الزعامة الفرنسية، وفي مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية التي لم تبق لباريس مواطئ أقدام محترمة في القارة السمراء وشمال إفريقيا، وأمام هذه الأخيرة للتدليل على أنها قادرة باللغة على ضمان مصالح لها لم تعد تضمنها بالوزن الدولي في الموازين الاستراتيجية.
الدور هذه المرة لم تلعبه فرنسا بل قامت به كندا الفرانكوفونية، حيث أعلن جاك سعادة الوزير المسؤول عن الفرانكوفونية في الحكومة الكندية عن أن هذه الأخيرة تقدمت باقتراح أمام مؤسسات المنظمة الفرانكوفونية من أجل قبول عضوية كل من إسرائيل والسلطة الفلسطينية داخلها بطلب منهما. وتظهر غرابة مثل هذا الاقتراح في خرقه لأهم بنود المنظمة المذكورة، والتي تنص على اعتبار حضور اللغة الفرنسية في مؤسسات الدولة أو كلغة للتخاطب معيارا لقبول العضوية داخلها، والحال أن هذا المعيار مفتقد في الجهتين المقترحين للعضوية الجديدة، وهو ما لم يجد له تفسيرا حتى الوزير الكندي نفسه الذي رد على سؤال كهذا بأن"في إسرائيل نحو مليون متكلم بالفرنسية"، وأن"داخل السلطة الفلسطينية لا نتوفر على إحصاءات ومن الصعب تحديد نسبة المتفرنسين لكن يجب توسيع المفهوم"، هكذا ببساطة بغرض خدمة أغراض التطبيع. وردا على سؤال آخر يتعلق بافتقاد السلطة الفلسطينية إلى كيان مستقل لكي تقبل في المنظمة الفرانكوفونية التي لا ينخرط فيها سوى الدول المعترف بها في الأمم المتحدة أجاب جاك سعادة بأن المنظمة منحت العضوية لمنطقة"فال دواست"الإيطالية مع أنها جزء من إيطاليا، فهل معنى ذلك أن المنظمة الفرانكوفونية تعتبر السلطة الفلسطينية"جزءا من إسرائيل"أيضا ؟؟
الوزير الكندي ساق ثلاثة دوافع رئيسية وراء قبول عضوية إسرائيل والسلطة الفلسطينية، تبين لنا حقيقة الغرض من هذه السياسة الغريبة التي باتت المنظمة الفرانكوفونية تنهجها اتجاه المنطقة: الدافع الأول هو"فك العزلة الدولية عن إسرائيل"، لأن هذه الأخيرة"عانت كثيرا من التهميش في المؤسسات الدولية"، لذلك قال المسؤول الكندي إن مثل هذا التهميش"ليس مقبولا وغير منتج، وينبغي توجيه رسالة واضحة، وهي أن إسرائيل دولة مرحب بها في منظمة عالمية متعددة المشارب كالمنظمة الفرانكوفونية". الدافع الثاني أن السلطة الفلسطينية"تقود أقلية بشرية (لاحظوا العبارة، وليس شعبا) ستصبح ذات يوم دولة بكامل الحقوق"، وأضاف قائلا"وأعتقد أن المنظمة ستوفر المجال لكي تبدأ السلطة الفلسطينية في المشاركة في أنشطة الفرانكوفوية"، أما الدافع الثالث فهو رغبة المنظمة في لعب دور التقريب بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي داخلها.
السينغالي عبدو ضيوف، رئيس المنظمة الفرانكوفونية، والحكومة الفرنسية وافقتا على الاقتراح الكندي الذي من المقرر بحسب المسؤول الكندي أن يبحث في القمة المقبلة للمنظمة في خريف 2006 برومانيا.