فهرس الكتاب

الصفحة 9535 من 27364

نجاح شوشه

'إنني أحدثكم عن دارفور، تلك المنطقة التي تشهد [كارثة إنسانية] ، وهي بحاجة إلى [صلواتكم] ، هلم إليها، إنها بحاجة إلى [كلمة المسيح] ...' هكذا قال يوحنا بولس الثاني بابا الفاتيكان مخاطباً المسؤولين عن المنظمات التنصيرية العاملة في أفريقيا.

وكانت كلمات بولس توجيهاً للمنصرين في أفريقيا أن اتجِهوا فوراً إلى السودان فهناك صيد ثمين، لا سيما إذ اتفق ذلك مع تصريحات جورج بوش الذي قال لأعضاء اليمين المسيحي بالكونجرس الأمريكي، وبحضور صديقه المنصر الشهير فرانكلين جراهام:' لن أنسى السودان أبداً، وإن نسيت فأنتم من ورائي'.

تمهيد حول التنصير في أفريقيا والسودان عموماً:

هناك حيث الفقر والمجاعات، حيث الفيضانات والحروب الطاحنة، حيث انتشار الجهل والفوضى، هناك في القارة السوداء، حول المنصرون رحالهم بعد الإفلاس العقائدي للمسيحية في أوروبا، والزحف الإسلامي العالمي المتوالي.

واستطاعت أيدي المنصرين - مستغلة حاجة إنسان جاهل إلى لقمة تسد جوعه الملتهب، أو دواء يتجرعه، أو سقفاً يأوي إليه - استطاعت هذه الإرساليات التنصيرية أن تخرج الكثيرين من سكان أفريقيا من عبادة رب العباد إلى عبادة العباد.

أما في السودان فقد كان لها نصيب بشع من الهجمات التنصيرية التي لا تقنع بزيادة أعداد المنتسبين إلى الكنائس فحسب، بل تجعل من مبادئ عملها زرع عقيدة 'مقاومة الأديان'، وبناء روح التمرد الذي لا يعرف رحمة ولا هوادة، على الرغم من شعارات المحبة والإحسان التي درج عليها المنصرون وأتباعهم.

وبالإضافة إلى حرص زعماء الكاثوليك والبروتستانت في العالم على زيادة أعداد النصارى؛ فإن التنصير أيضاً يعد أداة ناجعة في تخريب الدول وتفكيكها مما يسهل الطريق على الغزاة العصريين أن يقتحموا تحت ستار الإنقاذ والإصلاح وحماية الحريات الدينية.

وإن رمنا التحقيق فإن خطط تنصير السودان بدأت قديماً، وبالتحديد في عام 1917 حينما بدأ الاحتلال البريطاني في بناء سياج سياسي وإداري بين شمال السودان وجنوبه، فقد شجع الاحتلال الإرساليات التنصيرية، وفتح لها الباب على مصراعيه، وحولت العطلة الرسمية في الجنوب من الجمعة إلى الأحد، واستبعدت قوات الأمن الإسلامية من المناطق الجنوبية.

وفي عام 1921 أصبح هناك فصل إداري بين الشمال والجنوب، بعد أن قرر الاحتلال أن يعتمد الجنوب على حكام جنوبيين.

وخطا الاحتلال البريطاني خطوات أوسع حينما أصدر قانون 'المناطق المقفلة' والذي بموجبه أصبحت كل من مديرية دارفور، والاستوائية، وأعالي النيل وبعض أجزاء من المديريات الشمالية، وكردفان، والجزيرة ، وكسلا، مناطق مغلقة.

وقانون المناطق المغلقة يحرم على غير المواطنين السودانيين دخول أو البقاء في هذه المناطق إلا بإذن خاص من السكرتير الإداري، أو من مدير المديرية التي يتبعها ذلك الجزء الممنوع دخوله، وكذلك من حق السكرتير الإداري أو مدير المديرية المختص منع أي مواطن سوداني من الدخول أو البقاء في تلك المناطق.

وهكذا فصل الاحتلال بين المسلمين في جنوب السودان وبين إخوانهم في الشمال، بل وبين كل ما يربطهم بالإسلام، حتى أولئك الذين كانوا يحملون أسماء عربية أجبروا على تغيير أسمائهم، ومنع أو حرم التخاطب باللغة العربية لتحل محلها اللغة الإنجليزية، وأطلقت يد إرساليات التنصير، ووضع التعليم تحت إدارتها، فأخذت تلك الإرساليات تنشر سمومها ودعاياتها المغرضة ضد الإسلام، وضد العرب في الجنوب.

ولم يكن بابا الفاتيكان 'يوحنا بولس الثاني' يعبث حينما زار السودان في أوائل التسعينيات، حيث نصب في الساحة الخضراء في السودان صليباً بطول اثني عشر متراً.

ذباب التنصير يتساقط على دارفور

وبعيداً عن حقيقة الصراع في دارفور، وعن موقف الحكومة منه.. فما يعنينا الآن هو إلقاء الضوء على خطر التنصير الذي يهدد هذه المنطقة من العالم الإسلامي، فكما يسقط الذباب على القاذورات ويتسابق إليها، لم يترك المنصرون مأساة الخوف والتطاحن والمجاعة في 'دارفور'، لا سيما مع هذا الزخم الإعلامي المصطنع، والاهتمام الأنجلو أمريكي المفاجئ بمآسي مسلمي دارفور عرباً وأفارقة، ولا عجب فقد قفزت 'دارفور' لتصبح جزءاً من الأجندة الانتخابية لكل من «بلير» و «بوش» ، إذ يحاولان الصعود بها من المستنقع العراقي ولو قليلاً!.

ومما يجدر بالقارئ الكريم أن يعلمه أن إقليم'دارفور' الواقع غربي السودان لا يكاد يوجد بين سكانه نصراني واحد، واشتهر أهله بأنهم حفظة للقرآن، بل يحتلون المراكز العالمية الأولى في مسابقات حفظ القرآن، وهم من أكثر الأقاليم تديناً في السودان، وطالما نعم بالهدوء والتعايش بين القبائل المختلفة.

المنظمات التنصيرية العاملة في دارفور

لعل من أوائل المستفيدين من تضخيم أحداث دارفور ذباب التنصير الذي وجد بالفعل سبيله إليها وسط الضغوط الدولية على الحكومة السودانية للسماح لمنظمات'الإغاثة' بالتحرك في الإقليم.

فهذا بابا الفاتيكان أبدى انزعاجه وقلقه على ما يعانيه مسلمو دارفور!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت