مهدية الزميلي
إن آلية الهجمة الغربية والمشروع الحضاري الغربي، تتبنى وجهة واحدة أحادية طاغية رغم ادعاء الغرب العريض بإيمانه بالتعددية والديمقراطية، وقبول الآخر.
ولذا فانه (الغرب) لا يرضى من الشعوب والحضارات الأخرى، إلا أن تتبنى فكره ورأيه في كل شيء، وأي شذوذ عن ذلك من قبل المجتمعات، التي تحاول الدفاع عن نفسها، بواسطة الحفاظ على شخصيتها وهويتها، يعتبره تخلفًا وخروجًا عن سبيل التقدم، ودخولًا في حومة مجموعة من التهم المغرقة في الكذب والنفاق مثل: الإرهاب، والتعصب، والاعتداء على حقوق الإنسان.
ولقد كان موضوع المرأة من أهم الأدوات والأساليب التي هاجم بها الغرب مجتمعاتنا العربية الإسلامية، بما لها من مكانة، في ترسيخ قواعد المجتمعات، واستقرارها، وتربية أجيالها.
ولقد استغل الغربيون ابتعاد المسلمين عن هدي نبيهم في التعامل مع المرأة، ووجود الكثير من الرجال المسلمين الذين أصبحوا بهذا الابتعاد موضع اتهام بالمساعدة على افتعال قضية للمرأة، أنشئت من أجلها مؤسسات، وعقدت ندوات ومؤتمرات، راح الغربيون يروجون لها ويزينون لمجتمعاتنا صورة المرأة عندهم، ويجعلون من انحرافها وتمردها وعريها ووقوعها فريسة أفكار الرجال الذين يريدونها صيدًا سهلًا قريب المنال متسترين خلف شعارات مزخرفة بالحرية والخروج من تحت ركام الظلم والإهانة نموذجًا للعمل. وهم في هذا السبيل ومن أجل الإقناع استعملوا كل وسيلة؛ فمن كتابات وخطب وبيانات المتغربين في مجتمعاتنا، إلى الصورة في التلفاز والصحيفة والسينما، إلى الكتب والصحف المنحرفة وغيرها.
ولقد كانت هجمة عارمة منسجمة مع هجمة عامة كبيرة على مجتمعاتنا، تبغي إسقاط خنادق المقاومة عندنا من أجل أن يصلوا إلى الهيمنة الكاملة، التي تجعل منهم وجهة لنا تعب قلوبنا وأفكارنا منها وتعود إليها، وعندئذ تتم لهم عملية الكسب المادي ونهب الثروات بشكل كامل، وتلك نهاية المطاف الذي يبتغون وعندئذ يحكمون السيطرة على كل مقدراتنا.
ولقد نجحت الهجمة إلى حد كبير، فها هي مجتمعاتنا تعج بالمتغربات، وتلك دوائرنا ومعاملنا ومؤسساتنا مليئة بالنساء الموظفات المختلطات بالرجال بدون حشمة ولا وقار، وفي كثير من الأحوال بدون حاجة لوجودهن هناك، بل قد يكون وجودهن في الغالب من أجل استكمال اللوحة، التي أراد لها الغرب والمتغربون في مجتمعاتنا أن ترسم وتؤطر، ثم تعرض. بشكل احتفالي مثير، يشير إلى الإسلام بأصابع الاتهام مع أنه تقدم بحقوق المرأة أشواطًا لم تستطع حضارة الغرب حتى اليوم أن تلحق بها
وامتلأت الساحات والميادين بصراخ همجي، يدعو إلى جعل المرأة ندًا معاديًا للرجل، وليس شريكًا مكملًا، يأخذ مكانته الحقيقية لخدمة الإنسان عامة والمبادئ السامقة الكاملة خاصة أنها رمية على الطريقة الغربية، تبتغي سقوط الحصون والمقاومة وإلى الأبد.
2 ـ ولكن ....
وجاءت صحوة الإسلام، وبدأت أحلام التائهين تذوب رويدًا رويدًا أمام بريق نور الحق، الذي لم يَخْبُ يومًا من الأيام، ولنستمع إلى عائشة التيمورية تنشد (أيام زمان) : ـ
بيد العفاف أصون حجابي وبهمتي أسمو على أترابي
ما ضرني أدبي وحسن تعلمي إلا بكوني زهرة الألباب
ما عاقني خجلي عن العليا ولا سدل الخمار بلمتي ونقابي
ثم لنر من جديد حملة العلمانية في فرنسا ولنعجب!! كيف أربكتها عودة المرأة بزخم إلى سبيل الحق والخير والجمال، فراحت تتعرض حتى للصغيرات المسلمات في المدارس، يرتدين تاج العفة، ويقهرن عتمة الضلال، في عقر عاصمة النور المزعومة. فتحاول يد الشيطان أن تحرم هاتيك الصغيرات من مدارسهن، تحت شعارات محاربة التعصب والأسلمة، بينما هم بعملهم المشين ـ القيام بطرد الصغيرات من المدارس لا لذنب إقترفنه إلا لباس العفة والشرف ـ كانوا أشد المتعصبين الظالمين.
فإذا التفتنا حولنا وجدنا هذا التيار الخير، الذي دخلت فيه ممثلات، لم يكن أحد في يوم من الأيام يحس بتوبتهن ورجوعهن، إلى جادة الصواب من بين براثن بريق الأضواء، ومن تحت ركام نشوة الشهرة والمال. وتابت الكثيرات وفي عيونهن دموع الندم، على ما فرطن في سالف الأيام، وصدق الله العظيم القائل في كتابه الكريم: ـ"والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلًا عظيمًا"."ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون".