[الكاتب: أبو بصير الطرطوسي]
قد يسأل سائل إذا كانت الديمقراطية لا تصلح وهي فكرة باطلة، فعلام تسير بصورة مقبولة في بلاد الغرب من دون مشاكل أو اضطرابات؟!
والجواب على هذا السؤال من أوجه:
أولاً:
المجتمعات الغربية الأوربية منسجمة فيما بينها ثقافياً وفكرياً؛ فهي من حيث الانتماء الطائفي الديني نصرانية الانتماء، ومن حيث صفة النظام السياسي الحاكم فيها هو علماني التوجه والمنبت... والشعوب الغربية شبه مجمعة على هذين الأصلين أو الرابطين لوحدتها الاجتماعية، وهم - بجميع أحزابهم وأطرافهم - يمارسون الديمقراطية ويتكيفون معها على هذا الأساس من الانتماء والتوجه.
لذا فإن أي خلل يصيب هذين الأصلين أو أحدهما فإنها تحدث مشكلة تستعصي على الديمقراطية الغربية حلها، كما هو حاصل في ايرلندا بسبب غياب الانسجام الطائفي بين الكاثوليك والبروتستانت فإن الديمقراطية هناك فاشلة في تحقيق الانسجام أو التعايش السلمي بين الناس.
وكذلك لو وُجدت أي طائفة أخرى تنافس الطائفة النصرانية من حيث الكم والعدد فإن الديمقراطية الغربية تتحول إلى واحة من الصراعات الدموية، كما حصل مع المسلمين في البوسنة والهرسك، وفي كوسوفو، وفي لبنان من قبل، وغيرها من البلدان!
ثانياً:
النصرانية - متمثلة في الكنيسة - باتت مقتنعة مؤخراً بأنها لا علاقة لها بشؤون الحكم والسياسة ونظام الحياة، وبالتالي لا توجد أي مشكلة بينها وبين الأنظمة السياسية المتتالية والمتنوعة الحاكمة التي تقوم على مبدأ فصل الدين عن الدولة وشؤون الحياة... وهذا لا يجوز أن يُحمل على الإسلام.
ثالثاً:
الشعوب الغربية قد كفرت بألوهية وحاكمية الله عز وجل وآمنت بألوهية وحاكمية الشعب والمخلوق، فالتقت بذلك مع الديمقراطية، ووجدت فيها الوسيلة المناسبة لحل مشاكلها، وتنفيذ طموحاتها ومخططاتها...
ومن حقهم - ما داموا كذلك - أن يرفضوا ألوهية حزب أو حاكم واحد ينفرد بالسلطة وشؤون الحكم لنفسه ولحزبه فقط...
فعلام لا يكون كل واحد منهم إله، عابد ومعبود في آنٍ واحد، إذا كان يملك ذات الخصائص التي يملكها أو يدعيها ذلك الحزب أو الحاكم لنفسه، لذلك لا ضير عندهم - وفي ديمقراطيتهم - أن يدعي كل شخص أو حزب حق الألوهية والحاكمية والتشريع لنفسه كما يدعيه الآخرون لأنفسهم... وهكذا فهم راضون بكفرهم وشركهم، وليس فوق الكفر الذنب، وهذا لا يجوز في أي حال من الأحوال أن يُحمل على الإسلام والمسلمين، إلا في حال آثروا الكفر على الإيمان...
لذا فإننا نقول: إذا كانت الديمقراطية وجدت لنفسها بيئة تلائمها وتناسبها نسبياً في بلاد الغرب، فإنها لا مكان لها أبداً بين المسلمين وفي بلادهم..