فهرس الكتاب

الصفحة 11453 من 27364

إستانبول - خدمة قدس برس

نجم الدين أربكان

لم يكن غريبا أن يصدر حكم بالسجن على الزعيم الإسلامي التركي نجم الدين أربكان لمدة أربع سنوات ونصف السنة؛ إذ لم يكن الأول من نوعه في حق هذا الزعيم الثمانيني الذي عاش تاريخا حافلا تنقل فيه فيما يشبه الدراما بين الزنازين وأروقة البرلمانات، وحتى أرفع المناصب الرسمية في البلاد، بما في ذلك رئاسة الحكومة، فأربكان لم يكن فحسب مهندس المحركات الماهر، بل ظل ما يقرب من نصف القرن مهندسا بارعا للحالة الإسلامية التركية.

من مهندس المحركات إلى مهندس الحالة الإسلامية

في وسائل الإعلام التركية، وفي الأوساط والمحافل السياسية التركية، وعلى امتداد الشارع التركي المسيس؛ يطلقون على الزعيم الإسلامي التركي نجم الدين أربكان لقب"أبو السبعة أرواح"، وهو لقب يبدو أن أربكان يستحقه بجدارة، من كثرة ما دخل من محاكم وسجون وخرج منها، بل إن تجربة أربكان السياسية تتجاوز ذلك إلى براعته في نحت المنابر السياسية في ظروف تتميز بأنها جميعا استثنائية.

فقد بلغ عدد ما أسس من الأحزاب خمسة، فلا يكاد يؤسس حزبا حتى يحاصره حماة العلمانية في تركيا، وخاصة جنرالات المؤسسة العسكرية، فيحظرونه ويختمون أبوابه بالشمع الأحمر؛ ليعود أربكان ليؤسس حزبا جديدا، فيغلقه النظام القائم على توليفة عسكرية وقضائية قادرة على خفض مستوى السقف السياسي كلما لزم الأمر. لكن أربكان الذي أتقن لعبة الأبواب الدوارة كان لا يلبث أن يعود إلى تأسيس حزب جديد لا يختلف عن سابقه إلا في اللافتة والشعار والمنسوب التراكمي للخبرة. فمن هو نجم الدين أربكان، ذو الأرواح السياسية السبعة؟

ذو الأرواح السياسية السبعة

ينحدر هذا البروفيسور من نسل الأمراء السلاجقة الذين عُرفوا في تاريخ تركيا باسم"بني أغوللري"، وكان جده آخر وزراء ماليتهم، بينما كانت أسرة أربكان تلقب بـ"ناظر زاده"، أي ابن الوزير.

وقد أبصرت عينا أربكان النور في عام 1926 في مدينة سينوب، الواقعة في أقصى الشمال على ساحل البحر الأسود، وأنهى دراسته الثانوية في عام 1943؛ ليلتحق بجامعة الهندسة في إستانبول، وليتخرج في كلية الهندسة الميكانيكية في عام 1948، وكان الأول في دفعته، ما أهله بجدارة لتعيينه معيدا في الكلية ذاتها. وأوفد الشاب الطموح في بعثة دراسية إلى ألمانيا في عام 1951؛ لينال في عام 1953 من جامعة آخن شهادة الدكتوراة في هندسة المحركات.

وعاد نجم الدين أربكان من فوره إلى جامعة إستانبول، ليحصل على درجة مساعد بروفيسور، وأثناء وجوده في ألمانيا عمل إلى جانب دراسته رئيسا لمهندسي الأبحاث في مصانع محركات"كلوفز - هومبولدت - دويتز"بمدينة كولونيا. وقد توصل أثناء عمله إلى ابتكارات جديدة لتطوير صناعة محركات الدبابات، التي تعمل بكل أنواع الوقود.

وفي نهاية عام 1965 عاد أربكان إلى جامعة الهندسة في إستانبول، ليعمل أستاذا مساعدا، وفي العام نفسه حصل على درجة الأستاذية، فأصبح بروفيسورا في اختصاص المحركات، بينما لم يكن قد تجاوز التاسعة والعشرين من العمر.

إلا أن ذلك لم يكن كل الإنجازات التي حققها هذا الشاب التركي في حياته العملية، فبينما كان في العشرين من عمره؛ أنشأ أربكان أول أعماله الاستثمارية الخاصة، وتحديدا في عام 1956، حيث أسس مصنع"المحرك الفضي"هو ونحو ثلاثمائة من زملائه، فتخصصت هذه الشركة في تصنيع محركات الديزل، وبدأت إنتاجها الفعلي عام 1960، ولا تزال هذه الشركة تعمل حتى الآن، وتنتج نحو ثلاثين ألف محرك ديزل سنويا.

وتولى أربكان عددا من المناصب التجارية والاقتصادية في تركيا خلال عقد الستينيات من القرن الماضي، ولم يُخْفِ الرجل حينها ميوله الإسلامية التي أثارت حوله جدلا واسعا من قبل العلمانيين الأتراك الذين بدءوا حينها حربا إعلامية ضده، بالنظر إلى الخطورة التي توقعوها من أربكان، باعتبار أنه أحد أعمدة الاقتصاد التركي.

وكمثال على ما زخرت به الصحف من هجوم على أربكان في ذلك الوقت، قالت مجلة"آنت"العلمانية في عددها رقم 127 الصادر في الثالث من حزيران (يونيو) 1969"هناك صراع واضح في هذه الأيام في عالم التجارة الصناعة بين فئتين: فئة الرفاق الماسونيين الذين يعملون بحماية رئيس الوزراء سليمان ديميريل؛ وفئة الإخوان المسلمين الذين يعملون برئاسة نجم الدين أربكان"، على حد تعبيرها.

من الصناعة والاستثمار.. إلى قلب الحياة السياسية

لكأن نجم الدين أربكان كان على موعدٍ مع قدره، فينتقل من حلبة الصناعة إلى حلبة السياسة ليؤسس، ويقود، ويهندس حركة الانبعاث الإسلامية الحديثة في تركيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت