وكانت بداية التحول في حياة أربكان من هندسة الصناعة إلى هندسة السياسة؛ من مدينة قونية، التي كانت على امتداد تاريخ تركيا الإسلامي، وما تزال؛ معقلا إسلاميا. ومن هذه المدينة؛ بدأ أربكان أول تجربة سياسية في حياته، حين خاض الانتخابات النيابية التي جرت في عام 1969 كمرشح مستقل، فأكرمته المدينة المتدينة، إذ حملته أصوات ناخبيها وناخباتها بما يشبه الإجماع و"الاكتساح"، إلى مجلس النواب التركي، ممثلا لهذه المدينة.
التجربة الأولى.. حزب النظام الوطني
سرعان ما بلور أربكان في عام 1970، أول حزب من نوعه في الجمهورية التركية الكمالية مع عدد من المفكرين والناشطين الإسلاميين، أطلق عليه"حزب النظام الوطني"، الذي تسميه بعض المراجع حزب"الخلاص الوطني". وأعلن أربكان هوية حزبه هذا بوضوح، حينما قال"إن أمتنا هي أمة الإيمان والإسلام، ولقد حاول الماسونيون والشيوعيون بأعمالهم المتواصلة أن يُخربوا هذه الأمة ويفسدوها، ولقد نجحوا في ذلك إلى حد بعيد، فالتوجيه والإعلام بأيديهم، والتجارة بأيديهم، والاقتصاد تحت سيطرتهم، وأمام هذا الطوفان؛ فليس أمامنا إلا العمل معا يدا واحدة، وقلبا واحدا؛ حتى نستطيع أن نعيد تركيا إلى سيرتها الأولى، ونصل تاريخنا المجيد بحاضرنا الذي نريده مشرقا..."، وهي الكلمات التي كانت بمثابة إلقاء حجر كبير في البركة الراكدة.
ويرى المراقبون أن هذا الخطاب الذي ألقاه أربكان في الذكرى الأولى لتأسيس حزبه كان الأشد وطأ على مسامع الطبقة العلمانية المتنفذة التي يقف جنرالات الجيش التركي على رأسها، الأمر الذي دفعهم بعد أشهر من إلقائها إلى إقامة دعوى حكومية ضد حزب النظام الوطني، فأصدرت محكمة أمن الدولة العليا قرارا بحل الحزب ومصادرة أمواله وممتلكاته، بعد أن جرمته بتهمة انتهاك الدستور العلماني، والعمل على إلغاء العلمانية، وإقامة حكومة إسلامية في تركيا، والعمل ضد مبادئ أتاتورك.
كما حكمت المحكمة بمنع أي عضو في الحزب من العمل في حزب آخر، أو تأسيس حزب آخر، أو ترشيح نفسه للانتخابات ولو بشكل مستقل، وذلك طيلة خمس سنوات. إلا أن التجربة كانت لها بصماتها على مسيرة من سيغدو مؤسسا لعدد من الأحزاب اللاحقة على مدى ثلاثة عقود، ورئيسا للوزراء أيضا.
وبعد صدور حكم محكمة أمن الدولة العليا بحل حزب النظام الوطني، وحرمان مؤسسه وأعضائه من العمل السياسي لمدة خمس سنوات؛ غادر البروفيسور أربكان تركيا، وكان ذلك في الربع الأخير من عام 1970.
وبعد سنتين، أي في عام 1972؛ عاد أربكان إلى بلاده ليدفع بعض الإسلاميين ممن لا ينطبق عليهم حكم محكمة أمن الدولة العليا إلى تشكيل حزب جديد أطلق عليه اسم"حزب السلامة الوطني"، وأعلن تأسيس الحزب في تشرين أول (أكتوبر) 1972، وأصدر بعد ذلك بعدة أشهر صحيفته الرسمية"مللي غازيته"التي ما زالت تصدر إلى اليوم.
وفي عام 1973 صدر عفو عام عن الجرائم السياسية، فشمل ذلك الحكم نجم الدين أربكان، ما أهله لقيادة حزب"السلامة الوطني"وخوض الانتخابات، ليفوز الحزب بـ 48 مقعدا.
وعندما احتدم الخلاف بين الحزبين الرئيسين: حزب العدالة (149 نائبا) بزعامة سليمان ديميريل، وحزب الشعب الجمهوري (186 نائبا) بزعامة بولنت أجاويد؛ اضطر الأخير للائتلاف مع حزب السلامة الوطني بزعامة أربكان، فحصل حزب السلامة على سبع وزارات هامة، منها الداخلية والعدل والتجارة والجمارك والزراعة والصناعة والتموين ووزارة دولة، وتقلد أربكان منصب نائب رئيس الوزراء.
ومثلت مشاركة حزب السلامة الوطني في حكومة ائتلافية أول اختراق إسلامي للسلطة التنفيذية في الجمهورية العلمانية منذ تأسيسها على يد أتاتورك، ما دفع العلمانيين للتحرك السريع، حيث اضطرت الحكومة الائتلافية إلى الاستقالة بعد تسعة أشهر من تشكيلها.
لكن ذلك كان إجراء عابرا بالنسبة للتجربة الإسلامية الصاعدة. فقد اضطر المناخ السياسي المهيمن في ظل عدد من الظروف الموضوعية الضاغطة حزب العدالة التركي بزعامة سليمان ديميريل إلى الائتلاف مع حزب السلامة الوطني بزعامة أربكان، ما مكن الأخير ورجاله من العودة مرة أخرى إلى الحكومة، بالعدد نفسه من الوزراء ومقاعدهم في الحكومة السابقة.
إلا أن الانتخابات التي جرت عام 1977، والتي أعد العلمانيون والقوميون الأتراك العدة المناسبة لها، بعد تجربتهم مع الإسلاميين في الانتخابات التي سبقت ذلك؛ أتت مخيبة لآمال الإسلاميين الأتراك، فقد انحسر عدد مقاعدهم في مجلس النواب التركي إلى 24 نائبا فقط.
ورغم طي صفحة مشاركة أربكان في الحكومة؛ فإنه كان قد سجل خلال ذلك واحدة من أبرز الخطوات التي اتخذها في حياته السياسية؛ أي قراره في العام 1974 الدفع باتجاه اجتياح القوات التركية للثلث الشمالي من جزيرة قبرص، للقيام بدور مكافئ للنفوذ اليوناني في الجزيرة إثر قيام المجلس اليوناني الحاكم فيها بانقلاب. وقد أتيح لأربكان ذلك بموجب صلاحياته في ظل غياب رئيس الوزراء في الخارج.
انقلاب يحل الحزب ويفضي بأربكان إلى السجن
أربكان وحملة دعم السعادة